European Page

مكتبة فنية

كتب

مقابلات

مقالات

خواطر حقوقية

محاضرات/مداخلات

أبحاث حقوقية

سيرة ذاتية

الصفحة الرئيسية

:::::::: ومضات في ثقافة حقوق الإنسان:::::::

 

 

فهرست

  • تقديم

  • في الفكر والممارسة

  •  كل الحقوق للجميع

  • المنظمات العربية غير الحكومية

  • مدى نجاعة وسائل الحماية المعاصرة  في الدفاع عن الجمعيات الإنسانية والخيرية

  • نشاط المنظمة غير الحكومية في الفضاء الحكومي

  • تأثير الزمان والمكان على الأفراد والمنظمات

  • الاختصاص القضائي العالمي والمحكمة الجنائية الدولية

  • سلامة النفس والجسد في الثقافة العربية

  • اللجوء في الثقافة العربية

  • حقوق الإنسان في العراق : آفاق العمل غير الحكومي

  • الاختيار الدستوري لإقامة العدل

  •  السياسة وحقوق الإنسان

  • ملاحظات منهجية حول الإصلاح السياسي وحقوق الإنسان في العالم العربي

  • الصراع العربي الإسرائيلي وتطور الديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم العربي

  • في التربية التسلطية والتربية الحقوق إنسانية

تقديم

هذا الكتاب هو مجموعة محاضرات كان بعضها لجمهور عام وبعضها الآخر لدورات تأهيلية لناشطين حقوقيين. ألقيت في القاهرة وباريس ومانشستر وأغادير والدوحة والمنامة وبغداد وهانوفر ولندن، حاولنا من خلالها التعريف بما يسميه الصديق منصف المرزوقي "مدرسة" اللجنة العربية لحقوق الإنسان. هذه "المدرسة" التي تسعى للربط بين كل الحقوق ومختلف الثقافات، تبصر العالمي من منظار تجديد اكتشاف الذات والتفاعل الدائم مع الآخر وتعتبر حقوق الإنسان مشروعا غير منجز يحتاج باستمرار لقوة الجمع بين الفكر والممارسة، الأخلاق والحقوق، السياسة وإقامة العدل، والحق في حلم تخلص البشرية من همجية تحطم إنسانيتها.

طالما طرح علينا السؤال عن العلاقة  بين السياسي والحقوقي وبين القضية الوطنية والمواطنية، وطالما اختلطت وسائل النضال بين كيان محتل وكيان مستقل، طالما سمعنا تهما عن التأثر بأجندة غربية والرضوخ لها.. وطالما قلنا، بأن حقوق الإنسان كأي مشروع قابلة للاحتواء والتوظيف والاستعمال، من داخلها ومن خارجها، وبالتالي من الضروري تحديد معالم الطريق وعدم التعامل مع كل من يعلن هذا المبدأ باعتباره "نبيا" جديدا. إن حاجة البشر لنواظم حقوقية وأخلاقية أصبحت اليوم قضية وجود، وأعداء هذه القيم ليسوا فقط قوة تصارع أخرى بل الجناح الأقوى. رغم أن المستفيد من الحقوق هو الأغلبية الساحقة من البشر، فثمة أطفال يموتون قبل أن يتعلموا النطق وأخرين قبل أن يسمعوا بهذه الحقوق. من هنا، معركة وقف تدنيس الوعي معركة أساسية لتحول الحقوق إلى قوة فعلية قادرة على التأثير والفعل عبر بشر يدافعون عنها بوصفهم المعنيين مباشرة بها.

التماسك بين هذه المحاضرات يقوم على عنصر تكاملها أكثر مما يعتمد منهجا مسبقا، فهي من دورات مختلفة ومناسبات مختلفة ولكن اختيارها يأتي لوضع النقاط على الحروف في مسائل أساسية تمس العمل الحقوقي على الصعيد العربي والعالمي.

سيكون لملاحظات القراء النقدية وأسئلتهم دورا هاما في رسم معالم الجزء الثاني من هذه المحاضرات، التي آثرنا أن تكون بكتاب "الجيب" ليسرة التناول والتبادل.

 باريس في 6/5/2004   

 

كل الحقوق للجميع                                                                

قبل أيام أصدرت منظمة العفو الدولية تقريرها السنوي، وكالمعتاد، ركز التقرير على الحقوق المدنية والسياسية. وإن كانت تقارير المنظمة منذ النصف الثاني للتسعينات قد تجاوزت الشكل التقليدي الذي يعتمد على تناول الانتهاكات الخاصة بالاعتقال التعسفي والمفقودين والتعذيب وعقوبة الإعدام، فهي لم ترتق بعد لجملة الحقوق التي تقرها الشرعة الدولية لحقوق الإنسان. ويمكن القول أن هيومان رايتس وتش والخارجية الأمريكية أيضا لم يعطيا مجموع الحقوق حقه بشكل متوازن ونظرة شاملة وتكاملية. وإن كان موقف الإدارة الأمريكية يجد تفسيره في رفضها للاعتراف بالعهد الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإعلان الخاص بحق التنمية وتصديها لسيرورة بناء منظومة دولية لحماية البيئة، فالأمر غير مفهوم من منظمة غير حكومية مثل هيومان رايتس وتش. وقد كان تأكيد مؤتمر فيينا على هذه النظرة الشاملة والمتكاملة للحقوق نصرا لأبناء الجنوب لم يترجم للأسف على الصعيد العملي لأن واحدا من أشكال دكتاتورية الإعلام اليوم هيمنة المفهوم الليبرالي الغربي الذي يركز على الحقوق المدنية والسياسية باعتبارها ليس فقط حقوقا متقدمة لمواطني بلدانه، بل ولأنها تشكل وسيلة ضغط سياسية على الإيديولوجيات والنظم المغايرة. وأذكر أنني كنت أشدت في نقاش مع أحد الكوادر القيادية بمنظمة إسلامية لحقوق الإنسان فسألني عن موقفها من المرأة فأجبته ثم سألني عن موقفها من اتفاقية حقوق الطفل فأجبته فإذا به يخرج لي ملف الجنس المثلي قائلا: وهل تعتقد أنها ستدافع عن السحاقيات أو اللواطيين في حال وضعت أمامها ملفات من هذا النوع؟

هنا  شعرت بأن صاحبنا سيطالب هذه المنظمة الناشئة بحل مشكلات الكون لكي يقبل بتصنيفها كمنظمة عادية غير حكومية يتعامل معها بدون أفكار مسبقة. والحقيقة أن هذه المدرسة الشكلية للحقوق لم تدرك أن دخول العمل الإنساني في مناطق عديدة في العالم كان عبر الآباء البيض المحافظين الذين لم يكن بوسعهم قبول مواقف كثيرة رائجة في المجتمع الذي أنجبهم، وبالتالي فإن تكّون حركة حقوق إنسان محلية يقوم على تأصيل أفكار مركزية منها الانتقال من الرعية للمواطنة ومن الانتماء المغلق للانتماء المتعدد ومن المكارم والأعطيات إلى الحقوق باعتبار أن الحقوق الإنسانية بالضرورة ناقصة وغير منجزة وهي مشروع يواكب حياتنا ويسعى للرد على كل ما يشكل إذلالا أو إهانة أو انتقاصا من الكرامة التي تتقاسمها البشرية كمعطى عالمي للثقافات الكبرى.

 إن كان بالإمكان الحديث عن فلسفة عامة للكرامة الإنسانية تشكل السلف التاريخي لحقوق الإنسان بمفهومها المعاصر، فإن هذه الفلسفة تجد جذورها في بضع كلمات رافقت مختلف الثقافات البشرية وشكلت قاسما مشتركا لها في مقدمتها : سلامة الكائن البشري ، الحرية، المساواة، التضامن والتسامح. إلا أن هذه الأصول التي نتناولها في نهاية القرن العشرين بتجميع منـطقي لم تطرح يوما على بساط البحث بهذه الصورة، فالدور الذي تلعبه كلمة التضامن في المجتمعات الإفريقية القديمة يترك آثاره على جملة ما يعرف بالحقوق الفردية و القبلية، في حين يعتبر اكثر من مؤرخ فكرة التسامح الأب الروحي للديمقراطية الغربية، وتبقى المساواة هاجسا عاما وعالميا تقاسمه بوذا مع مزدك  ويسوع مع النبي محمد ومدارس الاشتراكية  المختلفة في حين شكلت قضية سلامة الكائن البشري النفسية والجسدية لأكثر من خمسة آلاف سنة مضت موضوع ترهيب وترغيب، حق يكـــتسب أو مادة عقاب. ويمكن القول أن الإسلام الذي كرم بني الإنسان، قد زرع مجموعة حقوق في الوعي الجماعي استظلها بمفهوم العدل. وفي حين أبدع عمر بن الخطاب مفهوم حالة الضرورة كرد على الفـاقة و الجوع في القرن السابع، طرحت مسألة التعذيب والتحرر من الاعتقال التعسفي في القرن السابع عشر في أوربة الغربية وفيها تقدمت الحقوق السياسية والمدنية بشكل بارز منذ الثورة الفرنسية.

لقد أعادت الأفكار الاشتراكية الاعتبار والمكانة لضرورة توافر حقوق اقتصادية اجتماعية مع الحقوق المدنية موازية وأحيانا مناهضة لحـق الملكية ( الحق الوحيد الذي جاء ذكره في مناسبتين في إعلان حقوق الإنسان والمواطن)  ولم تلبث الحركة النقابية والسياسية والحقوقية التقدمية منذ نهاية القرن الماضي أن تطرح على بساط البحـث حق العمل وحالة الضرورة وقضية وجود ضمانات اجتماعية باعتبارها المقيدات الضرورية لحق الملكية.

وبعد صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، بدأت  لجنة حقوق الإنسان أعمالها من أجل المعاهدات الخاصة بهذه الحقوق. وقد تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 421 في ديسمبر 1950 القاضي بصياغة عهد واحد للحقوق الخمسة، ثم عادت الدول الغربية وضغطت باتجاه إعداد عهدين منفصلين: الأول للحقوق السياسية والمدنية والثاني للحقوق الاقتصادية و الاجتماعية والثقافية الأمر الذي جرى التصديق عليه بالقرار 543 في الخامس من فبراير 1952. ونتيجة لذلك، اصبح من المتعارف عليه أن الشرعة الدولية لحقوق الإنسان تقوم بالأساس على قطاعين متميزين لحقوق الإنسان. وقد نالت الحقوق السياسية والمدنية باستمرار حصة الأسد في النظرية والتطبيق عند الحديث عن حقوق الإنسان .

في مؤتمر فيينا في 1993 ، جرى التأكيد على ما دعت إليه المنظمات غير الحكومية من رفض للتجزئة ولفكرة الأفضلية ولقطع الروابط بين الحقوق الخمسة. وقد أقرت 171 دولة هذه المبادئ الأساسية، على الورق على الأقل، الأمر الذي يتطلب من جميع المنظمات غير الحكومية إعادة بناء استراتيجية عملها بشكل يجعل من هذه الحقوق مجتمعة مادة لعملها اليومي والبحثي والاستراتيجي. وقد وعت لجنة حقوق الإنسان ومؤسسات الأمم المتحدة هذه الوحدة الجدلية بين الحقوق في آخر معاهدة صدرت عنها ( اتفاقية حقوق الطفل 1989 ) التي جمعت بينها في نص واحد، حيث يمكننا تكثيف هذا الجمع بالعناصر التالية :

حق التعبير ( مادة 13)            ـــــــ الحماية من الاستغلال الاقتصادي ( مادة 32 )

الاعتقاد و التفكير و الدين (مادة4) ـــ     اتفاقية   ــــ التعليم ( مادة 22 )

حق الصحــة ( مادة 24) ـــــ     حقوق الطفل    ـــ    مستوى معيشة مقبول ( مادة 27 )                   الضمان الاجتماعي ( مادة 25)

كذلك نجد على الصعيد الإقليمي مواثيق موحدة كما هو الحال في إفريقية وأوربة.

في تكثيف يقدمه سيغارت   Sieghart يمكننا تكثيف الخمسة بشكل يفصلها من الناحية الشكلية :

1- سلامة الجسم، 2 - مستوى الحياة، 3 - الصحة، 4 - الأسرة، 5 - العمل، 6 - الضمان الاجتماعي، 7 - المساعدة والرفاه،  8 - التعليم والتأهيل، 9 - الملكية، 10 - الأمان القانوني، 11 - سلامة العقل والنفس، 12 - النشاطات العامة ( تجمع و تنظيم .. ) 13- الســـياسة و الديمقراطية، 14 - الحقوق الجماعية.

إن قراءة مبسطة في هذه الحقوق تظهر مدى جسامة مهمة نشطاء حقـوق الإنسان ، فإن كان ثمة حقوق سهلة القوننة كحق العمل والشروط الإنسانية له والضمان الاجتماعي، فإن هناك حقوقا تتطلب تحديدات أساسية تسمح بجعلها جزءا من قانون البلد أو سياسة حاكميه. فما هو الحد الأدنى للحاجات الغذائية وكيف يترجم حق الصحة على الصعيد الوقـائي وكيف يمكن احترام حق العمل في منظومة اقتصادية تعتمد الأتمتة وسيلة أنجع للربح من قوة العمل البشرية وهل من معنى لحق الملكية العقاري في غياب حق السكن مع وجود مساكن شاغرة ؟ وهل من الضروري قوننة الحقوق في غياب إجماع على الأسلوب الأمثل لتحقيقها الخ؟

أزمة حقوق أم أزمة نظم ؟

رغم أن خطاب حقوق الإنسان اصبح يقر الحقوق الخمسة وأحيانا يقبل بإضافة حق البيئة، مازال خطاب الحقوق الاقتصادية والاجتماعية يتعثر ولا يأخذ حقه الكامل ومداه الحيوي الضروري لا في نطاق المنظمات غير الحكومية ولا في المؤسسات المعنية به محليا وإقليميا وعالميا، وليس من المبالغ القول أن الشلل الذي ينتاب هذا الجزء من الحقوق يترك آثاره على مصداقيتنا وصلتنا العضوية ببناء مجتمع أقل بربرية وأكثر إنسانية.

ما هي أسباب هذا الخلل؟ وهل يمكن فعل شئ لتجنبّه؟

للإجابة على هذين السؤالين من الضروري استعراض بعض الأسباب الذاتية والموضوعية التي جعلت نضالنا اليومي يتوجه نحو الحقوق السياسية والمدنية ويهمش إن لم نقل يغفل تماما الحقوق الأخرى:

1 - من أهم العوامل الموضوعية الخارجة عن إرادتنا بالمعنى المباشر للكلمة، غياب أنموذج ينســجم مع الحقــوق التي نطالب بها. ففي حالة الحقوق السياسية والمدنية، شكلت الديمقراطية الغربية مرجعا اعتباريا أو نقديا، وكان بالإمكان دائما الانطلاق من تجربة عيانية للمطالبة بحق معين ضمن هذه المنظومة، في حين لم ينجح الأنموذج السوفييتي أو الصيني في الاستجابة للركن الاعتباري من هذه الحقوق، أي الركن الذي لا يتعامل مع المنتج باعتباره وحسب قوة عمل، وإنما أيضا قوة إنسانية، أي ذات خيار حر في السياسة الاقتصادية والاجتماعية وليس فقط موضوعا لهذه السياسة المفروضة من فوق.

2 في الواقع إن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لا يتم انتهاكها فقط من السلطات الفاسدة المحلية وإنما أيضا من قبل نظام اقتصادي عالمي جائر، مقسوم بشكل فاضح إلى دول غنية وأخرى فقيرة، وفي غياب أي ناظم ملزم، فان عولمة اللبرلة البرية للاقتصاد التي اثبتت فشلها كأنموذج للتنمية لن تؤدي إلا إلى اتساع الهوة بين الشمال والجنوب. وليست اتفاقيات الغات وأسواق البورصة وأشكال التبادل غير المتكافئ بقادرة على وقف تدهور اقتصاد العالم الثالث بل دفع هذا التدهور نحو الأردأ. ولو عدنا إلى مؤتمر القمة الاجتماعية في كوبنهاجن مثلا، لوجدنا تأكيد الطرف الرسمي على قيام الدول بحلول 1996 بوضع سياسات وطنية للقضاء على الفقر ومعالجة أسبابه الهيكلية ووضع غايات وأهداف ذات أطر زمنية للحد بدرجة كبيرة من الفقر. والتأكـيد على اعتماد سياسات لإنهاء الديون الثنائية على الدول الأقل نموا في موعد لا يتجاوز 1996.

نحن اليوم في 2003، فمن يستطيع مطالبة الدول الغنية باحترام التزاماتها وحكومات الدول الفقيرة برفض برامج التكيف الهيكلي التي فرضت من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي مع ما يترتب عليها من تحجيم للسياسات الاجتماعية وانتشــار للفقر والجهل والمرض والبطالة والتمزق الاجتماعي ؟؟

إن قبول بعض الدول مبدأ اتباع سياسات تأخذ بعين الاعتبار التقييم العياني لتحديد أوليات التنمية، مبدأ سيادة الشعب و الاستثمار المسؤول وضمان حقوق الجماعات المستضعفة (من نساء وأجانب وأطفال وسكان أصليين الخ) لا ينجيها من عنجهية اقتصاد السوق التي تترك بصـماتها على كل تحرك يستهدف ضمان حد أدنى للحقوق الاقتصادية و الاجتماعية.

3 - وجود ممارسات للأمم المتحدة والدول الأقوى في تناقض واضح مع مبدأ الحد الأدنى للبقاء على قيد الحياة، والذي يعتبر ألف باء الحقوق الاقتصادية. كمثل الحصار الذي تمارسه الولايـات المتحدة على كوبا والأمم المتحدة على العراق وصربيا والطوق الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني. أليس من المضحك المبكي أن تتحدث مندوبة الولايات المتحدة عن عقوبات نموذجية في العراق رغم كل ما سببته من مآس للشعب وبشكل خاص الأطفال، ثم أن يطلع علينا نفس الذين أصروا عليها (الولايات المتحدة وبريطانيا) بمشروع للعقوبات الذكية، أي مشروع يعتبر الأولى النموذجية غبية؟ ثم تأتي دولتا الاحتلال لرفع هذا الحصار بعد مصادرة موارد البلاد في قرار تم تفصيله على قّد عمولات ديك شيني ورامسفيلد والفريق الحاكم في واشنطن

هل من الضروري التذكير بالفقرة الثانية من المادة الأولى للعهد الخاص بالحقوق الاقتصـادية و الاجتماعية والثقافية : "لا يجوز بحال من الأحوال حرمان شعب ما من وسائله المعيشية الخاصة"

4 - الفكرة الشائعة بأن هذه الحقوق من اختصاص النقابات والأحزاب اليسارية وليست من نطاق اهتمام نشطاء حقوق الإنسان .

5 - الأهمية المعطاة للحقوق السياسية من قبل المنظمات غير الحكومية المحلية والدولية . وواقع أننا شئنا أم أبينا، ضحايا تعميم فكرة حقوق الإنسان عبر البعد الإعلامي للمنظمات الشمالية-العالمية  التي ركز معظمها على الاعتقال التعسفي والتعذيب وحكم الإعدام و الاختفاء كما سبق وذكرت. إن وسائل الأعلام الغربية التي تسيطر على اكثر من 90% من المعلومات المقدمة على سطح البسيطة تجد في لغة الحقوق السياسية قاموسا سهلا ومفهوما ولا تجد في الحقوق الاقتصادية مادة قابلة للاستعمال السلعي إلا ببعدها الكارثي، أي غيابها. لماذا نستغرب والحال كذلك أن يطالب ضحايا الجوع بالمعونة الإنسانية وليس بالحقوق الاقتصادية وهم لم يسمعوا يوما بهذه الحقـوق .. وكأنهم مسخوا إلى ما دونها.

ليس الانتقال من تشخيص المشكلة إلى البحث عن حلول لها بالسهل ، فهذه الإشكاليات تجعلنا نطرح على أنفسنا أسئلة عديدة منها :

- هل هناك قابلية لترجمة قانونية متماسكة للحقوق الاقتصادية و الاجتماعية ؟

- هل يمكن الخوض جديا في تصور شامل للحقوق الخمسة دون حركة توعية ثقافية تدخلها في الوعي الجماعي في المجتمع ، أي بتعبير آخر تخرجها من نطاق نخبوي ضيق ؟

- هل من واجبنا طرح تصورات للترجمة السياسية لهذه الحقوق ؟

- هل بالإمكان الخوض في مشروع طموح على صعيد هذه الحقوق دون تعاون بين النشطاء و الخبراء ، بين من يعد الخطط ومن يقترح الخطط البديلة، بين المحلي والإقليمي والعالمي ؟

هذه الأسئلة مطروحة علينا جميعا، ونحن بحاجة لمراجعة منهجية لأسلوب عملنا للتمكن من إعطائها حقها ، وبحاجة إلى التنسيـق مع مراكز البحث والمنظــمات المختصة بالقضايا الاقتصادية والاجتماعية وتبادل الخبرات فيما بيننا.

لو تناولنا موازين القوى في استعراض الأجيال الثلاثة لحقوق الإنسان لوجدنا إن الإعلان العالمي قد شكل انتصارا للآراء الغربية، في حين أعاد العهدان نوعا من التوازن بين الشـرق والغرب والجنوب والشمال أما الجيل الثالث للحقوق، وبشكل خاص حق التنمية وحق التضامن ، فقد أعادا الاعتبار لهموم الجنوب. ولا غرابة و الأمر كذلك أن لا نجد ترجمة لحق التضامن وأن تبقى الولايات المتحدة ضد حق التنمية منذ إعلان 1986 حيث كانت وحدها ضده إلى عام 1994 عندما طالبت لجنة حقوق الإنسان بإنشاء آليات دائمة لتقييمه ويومها وقفت الولايات المتحدة وبريطانيا واليابان ضد القرار وتغيبت 8 دول أوربية عن التصويت.  هذا المثل وحده يكفي لتوضيح أهمية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لبلدان الجنوب.

إن أهمية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية تكمن أيضا في علاقتها الجدلية بعضها ببعض وتكاملها مع الحقوق المدنية والسياسية، نأخذ كمثل حي إضراب مشفى البيتييه سالبتريير في باريس في أبريل(نيسان) 1997. هنا الإضراب حق تقره الفقرة د :1 من المادة الثامنة للعهد خاصة وأن أسباب الإضراب تكمن في تحسين أوضاع وشروط العمل. ولكن المشفى أيضا قطاع عام مهمته توفير حق الصحة  للبشر  كما جاء في المادة 12 فقرة د من العهد، ولهذا قامت النقابة العامة للشغل بتوزيع منشور توضيحي جاء فيه: أولا حق الإضراب كما اقره الدستور الفرنسي منذ 1946 ضرورة توفير خدمات الحد الأدنى في مشافي القطاع العام وفقا لآخر تفسير حكومي لهذه الضرورة صادر في 1981، أي السماح بتأخير معاينات معينة أو عمليات جراحية معينة لا تؤثر على الطوارئ وأمن المريض وإعلام الإدارة 5 أيام قبل بدء الإضراب للتمكن من تنظيم الخدمات الدنيا التي يقوم بها غير المضربين ومن له حاجة من المضربين وفق تقدير القسم. وفي حال حاول القسم التلاعب بفرض العمل على مضرب باسم الضرورة وثبت ذلك، تجري الملاحقة القضائية أمام محكمة إدارية لكل من شارك في ذلك من رؤساء المشافي ورؤساء الأقسام والمراقبين. وأخيرا يشير المنشور التوضيحي إلى الأساليب غير القانونية التي يمكن أن تستعملها الإدارة. 

يوضح هذا المثل عدة قضايا أولها أن العديد من مقومات حق الصحة قد تقونن في عدة بلدان قبل صدور العهدين بعقود. ثانيا إمكانية القوننة على الأصعدة المحلية والعالمية وثالثا، إمكانية التوصل إلى صيغ تعايش للحقوق ( إضراب وصحة، ملكية وحق السكن الخ ). ثالثا رفض أية حجة يمكن أن تجعل من حق من حقوق الإنسان ذريعة للإنقاص أو الحد من ممارسة حق آخر.

بقي أن نذكر بضرورة التركيز على مفهوم أساسي لكل مدافع عن حقوق الإنسان: هناك نواة صلبة من الحقوق نرفض أن يتم المس بها مهما كانت الظروف الداعية لتحديد الحقوق والحريات لأسباب طارئة، هذه النواة تشمل سلامة النفس والجسد، الحريات الأساسية، حق الحياة والحق الأدنى للتمكن من العيش والتعلم والمعالجة. ومن المفترض للدفاع عن هذه النواة الصلبة جمع أكبر انتماء مجتمعي نقابي وجمعياتي وسياسي لأن هذا الأساس هو الذي يضمن اكتمال البنيان عبر النضال الطبيعي لبشر يعاملون بوصفهم كذلك، وهو الذي يكفل عدم لجوء الناس إلى التمرد، كما تذّكر ديباجة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، كطريق للخروج من مآسيهم بعد إغلاق الطرق السلمية للدفاع عن الحريات والحقوق.

هيثم مناع

المنظمات العربية غير الحكومية أساس البناء الديمقراطي والمدني

مدخل تاريخي

يمكن ملاحقة ظاهرة التنظيمات والشخصيات الاعتبارية Charismatic غير الدولانية بعيدا في التاريخ المشرقي. وقد لعبت أكثر من فرقة دينية مسيحية دورا متمايزا في خلق هامش مستقل عن الدولة ومستقطب لعب دورا كبيرا في نشر المعرفة والثقافة الدنيوية والدينية كالنساطرة واليعاقبة. كذلك كان لبعض الحركات الدينية دور الحماية الاجتماعية بوجه الدولة أو المحتل حيث لعب جهازها دور الوسيط المنظم لهذه العلاقة أو الصوت المعبر عن مصلحة المجموع أو دور "كاظم الغيظ" الجماعي. وقد بدأت نويات أشكال أكثر تقدما تنشأ مع ولادة المدن الجديدة والانتشار الأفقي الواسع للإمبراطورية العربية-الإسلامية مع ما حمله من اختلاط بشري وثقافي هائل. بعض هذه التعبيرات كانت حول شخصية فرد وبعضها الآخر محلي الطابع والبعض ذو طموح عالمي: ولعل ظاهرة الحسن البصري (642-728م/ 21-110 للهجرة) ومدرسته التعبير الأبرز في القرنين الأول والثاني للإسلام أولا كرغبة واضحة في الاستقلال عن السلطة السياسية، وثانيا كرغبة في الاستقلال عن التعبيرات السياسية-الدينية المعارضة، وباستعارة تعبيرات عصرنا، كسلطة مضادة Contre-pouvoir . فقد رفض أن يكون قاضيا بأجر حتى لا يرتهن للسلطة السياسية بمرتب وأصر على حقه في أن يكون الصوت النقدي لمن لا صوت لهم. وقد وقف ضد العنف والفتنة ومشهور رأيه حين سئل عن الخيار في الفتنة والقتال:

"-لا تكن مع هؤلاء، ولا مع هؤلاء . فسئل: ولا مع أمير المؤمنين؟ فغضب وقال: نعم ولا مع أمير المؤمنين"(1). ونجد في مدرسة الحسن البصري أيوب السخياتي وفرقد السبخي ومالك بن دينار ومحمد بن واسع.. وقد دافع هذا الاتجاه عن حق العالم والمثقف والفقيه في الاستقلال التام عن السلطة وضرورة وجود سلطة اعتبارية أخلاقية تدافع عن المجتمع من جنوحات الحاكم.

منذ نهاية القرن الأول الهجري (السابع الميلادي) بدأ ينتشر تقليد جديد يجمع أصحاب المهنة الواحدة في سوق خاص بهم وخلال قرن من الزمن نجحت الروابط المهنية الجديدة في انتزاع اعتراف القاضي والمحتسب بالسنة والعرف التي تعمل بها (أي الاعتراف بنهج عملها كمرجع قانوني للتنظيم و المحاسبة). وباختلاف الحقب كانت الخلافة تقر من ينتخبه الحرفيون شيخا للحرفة أو تفرض في الفترات الاستبدادية على الحرفة شخصا تسميه من أهل المهنة. وقد نظم أصحاب المهن أشكالا للتضامن تؤمن سوية مقبولة للمهنة وإقرار مستوى أسعار الصناعة وحماية أصحابها بأساليب سلمية بشكل عام. وانتشرت هذه الظاهرة في فلسطين وسورية والعراق ومصر وفارس والمغرب والأندلس وحتى قلب آسيا. ثم تراجعت مع سقوط بغداد والاضطراب السياسي الذي تبعه.

أما الصيغة الثانية للتنظيمات غير الحكومية فقد تمثلت في تجمعات مختلفة على أساس سياسي أو ثقافي أو اجتماعي أو أكثر من هدف، ويقع في هذا المثل الحركة الإسماعيلية والعيارون والشطار ومجموعة أخوان الصفا وتجمعات الوقف الخيري الصحي والتعليمي والمعاشي.

لقد وجدت من الضروري التعريج قليلا على التاريخ للرد على كل من يقول بأن التجمع غير الحكومي ظاهرة غريبة عن مجتمعاتنا، خاصة أصحاب الأطروحات الشمولية الإسلامية، كالباكستاني أبو الأعلى المودودي الذي يربط كل شئ بالخلافة أو التسلطية العلمانية في كل مدارس الحزب القائد الذي يفرخ منظمات شعبية على مقاسه ولخدمته.  فمن الواجب التذكير بأن معركة أسلافنا لم تكن أسهل من معركتنا اليوم حيث حاول أكثر من خليفة شراء ذاك الاسم أو تلك الرابطة وعندما كان يفشل كان ينكد عيش الحريص على استقلاله. وإن كان من تساؤل هام حول سبب عصور انحطاط العرب والمسلمين، فلا شك بأن للخيار الاستبدادي والأحادي الرؤية وقمع التعبيرات المستقلة فكرية كانت أو اجتماعية دورا حاسما في غياب هذا الجزء من العالم عن التاريخ لقرون.

مع عودة طموح النهضة في القرن التاسع عشر عادت فكرة المنظمات غير الحكومية إلى الوجود في العالم العربي، حيث فتحت مصر ولبنان الباب منذ النصف الأول في ولادة جمعيات دينية وخيرية. وقد بدأت الجمعيات ذات الدور الثقافي التنويري بالتواجد، علنا أو سرا، في النصف الثاني من القرن الماضي، في سورية وفلسطين وتونس والعراق. ولعل أول من دافع عن فكرة المجتمع المدني وامتلاكه تعبيراته المستقلة في العالم العربي عبد الله النديم (1845-1896م). فهو أول عربي أعطى الأولوية للجمعيات غير الحكومية على العمل السياسي بالمعنى الحزبي أو المباشر واعتبر الشارع والقرية المدرسة الأولى للإصلاح والنهضة وآثر السياسة كفن، بالمعنى اليوناني النبيل للكلمة، على ما أسماه "السياسة العملية الإدارية". (2).  زرع عبد الله النديم بذور أفكاره في مصر وفي منفاه في يافا وفي مجلة "الأستاذ" التي كانت مرجعا لجيلها.  

أنهى إضراب عمال التبغ في مصر القرن الماضي بالحصول على حقهم في نقابة مستقلة. وبعدها بأشهر صدر كتاب قاسم أمين "تحرير المرأة" (1899)، وافتتح فرح أنطون هذا القرن بترجمة إعلان حقوق الإنسان والمواطن إلى العربية مطالبا بتعليم حقوق الإنسان في المدارس. (3). وإن بدأت طلائع الديمقراطية في مصر وتركيا والعراق  وسورية ولبنان وإيران تتحدث عن الحقوق الطبيعية للإنسان خاصة في صفوف الاتجاهات الدستورية الناشئة، فقد بقيت قضية حقوق الإنسان محصورة بأقلام متنورة أكثر منه اتجاها ثقافيا أو اجتماعيا عاما. في هذا الوقت، كانت نشأة الجمعيات المستقلة مستمرة في كل بلدان المشرق. وفي حين قبلت الإدارة الإنجليزية في مصر فكرة حق الناس في تشكيل جمعيات مهنية وثقافية وفنية مبكرا، علينا انتظار 24 أبريل/نيسان 1912 لمطالعة نص القانون العثماني لتنظيم عمل نقابات الحرف والصنائع والذي بقي ساري المفعول في بلدان الانتداب الفرنسي (سورية ولبنان) والإنجليزي (كفلسطين وشرقي الأردن). يقرر هذا القانون في مادته الأولى إلغاء جميع النقابات القديمة وحق كل حرفة وصنعة في تشكيل نقابة مستقلة. من جهة ثانية، كان لإقرار الدستور في تونس عام 1861 أثره في تعزيز فكرة حرية التنظيم الأهلي في هذا البلد ولو أن هذا الدستور لم يعش طويلا. كذلك كان الأمر بالنسبة للدستور العثماني من بعده في 1876 والإيراني في 1906 وإعداد المتنورين في المغرب الأقصى لدستور أكتوبر/تشرين الأول  1908.

النشأة ومشكلات الولادة

  أصدر  جميل معلوف كتابه " حقوق الإنسان و تركيا الجديدة " في ساو باولو عام 1910 في حين نجد في  "الجريدة" التي رأس تحريرها لطفي السيد (1907-1914) ومجلة السفور المطبوعة في مصر أثناء الحرب العالمية الأولى دفاعا عن حقوق أساسية للأفراد والجنسين والحقوق المدنية والسياسية في إشارات خاطفة هنا وهناك لإعلان حقوق الإنسان والمواطن. وفي العشرينات والثلاثينات نقرأ اكثر من مقالة لإسماعيل مظهر وسلامة موسى ومي زياده تتعرض للحريات الأساسية وحقوق الإنسان (4). وقد تناولت نبوية موسى ومنيرة ثابت في مصر حقوق المرأة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في نفس الحقبة (5). وفي الثلاثينات صدر أول كتاب باللغة العربية عن حقوق الإنسان لمؤلفه رئيف خوري في دمشق(6). وتشكلت في القاهرة والدار البيضاء لجنتان لحقوق الإنسان وفي أهم المدن العربية لجانا لمناهضة الفاشية. في 1944  تشكل اتحاد المحامين العرب بطموحات وطنية ديمقراطية كأول تعبير عربي حقوقي للدفاع عن مبادئ الحق والعدالة. كذلك برزت أسماء عربية للدفاع عن حقوق الإنسان مثل محمد مندور ومحمود عزمي ورياض شمس الدين في مصر، ادمون رباط وسامي الكيالي ونجاة قصاب حسن في سورية، وشارل مالك  ورئيف خوري وسليم خياطه في لبنان وعلي الوردي في العراق(7).

 وبعكس منطق الأشياء، كان عام الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في العالم العربي عام النكبة بولادة دولة إسرائيل مع ما رافق ذلك من خلق حالة شك عامة بالأمم المتحدة  ومؤسساتها في الشارع العربي. وفي حين كان العالم يعاود اكتشاف روابط حقوق الإنسان لم تتشكل أية منظمة عربية حتى بداية الستينات(8). وبقيت دعوة رئيف خوري في 1949 للمثقفين اللبنانيين إلى تشكيل جمعية مستقلة لحقوق الإنسان دستورها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان دون استجابة (9).

لم تنضج إذن فكرة منظمة غير حكومية مرخص بها لحقوق الإنسان في بلد عربي حتى عام 1962 أي قرابة قرن بعد أول دستور في هذا الجزء من العالم وقرن ونصف على ولادة أول جمعية خيرية في الأزمنة العربية الحديثة. وهو زمن متأخر نسبيا، ولا شك أن عدم إعطاء الحقوق الأساسية للشعوب حقها في الإعلان العالمي قد أخر الثقة بدور لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة. وقد غطت المسألة الوطنية تماما على المسألة المواطنية في هموم جيل الاستقلال فيما جعلنا نتحدث اليوم عن استقلالين(10). 

كان ظهور الجيل الثاني من المدافعين (باعتبار أن الجيل الأول كان حالات فردية ومبادرات معزولة) محاولة لإعادة طرح التوازن بين الوطن والمواطن والديمقراطية وقضية التحرر الوطني. إلا أن هذا الجيل الذي شكل الرابطة السورية لحقوق الإنسان في 1962 والجمعية العراقية لحقوق الإنسان في الفترة نفسها واللجنة القومية لحقوق الإنسان في السودان (1967) والعصبة المغربية لحقوق الإنسان (1972) لم يستطع الوقوف في وجه تيار، بل  يمكن القول جيل،  ضحى بقضية الحرية باسم التحرر و المواطنة باسم الوطن. وقد قامت الاتجاهات القومية بتهميشه وقمعه في سورية والعراق والسودان وحصره في إطار حزب الاستقلال في التجربة المغربية إلى حين ولادة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان في 1979. 

إن المحاصرة التي عاشتها التجارب الأولى لمنظمات حقوق الإنسان لم تلبث مع تصاعد العسف وتعزز الدولة التسلطية العربية أن دفعت بالضحايا إلى هذه الحقوق للدفاع عن النفس والأهل والمحيط. وكانت عودة حركة حقوق الإنسان بقوة ابنة تصاعد الحاجة إليها أكثر منه زواج الوعي والعقل. ولا ضير في ذلك، فقد ولد الجيل الثالث لنشطاء حقوق الإنسان في بحر حالة تسلطية عربية حطمت المكونات المستقلة للمجتمع حرصا على أمن السلطات السائدة. وطبعت ظروف النشأة هذا الجيل الذي تلفق حقوق الإنسان كوعاء جبهوي يجمع من استثناهم النظام السائد من قلعة الشرعية التي أممها لبطانته، وانطبعت بهلامية النشأة هذه طموحات سياسية للبعض، تسلقية شخصية للبعض الآخر، أو مجرد معبر إلى ما يفتح الله أمام عباده . وبرزت معظم السلبيات التي طبعت هذا الجيل  يوم تشكلت المنظمة العربية لحقوق الإنسان في 1983 بمبادرة لعدد من المثقفين العرب وبكل حساباتهم السياسية. ومما يـشهد له أن المنظمة العربية لم تخض معركة كبيرة هامة مع أحد، بل كانت اكثر من مرة ضحية المسار القمعي العام الأعمى الذي لم يقبل حتى هذه الصيغة المحدودة الفعالية للعمل الإقليمي من أجل حقوق الإنسان.

رغم قصورها التنظيمي و التكويني وعدم تصديها لمهمات مركزية للنضال في العالم العربي، كانت المنظمة ابنة حقبتها من جهة ومحل استقطاب وتأييد للعديد من الطاقات العربية الصاعدة ومصدر أمل. ومن قمقمها ولدت اكثر من منظمة محلية لم تلبث أن تجاوزت المنظمة الأم كما هو الحال في مصر. إلا أن حركة حقوق الإنسان لم تكن أسيرة هذا الشكل العلائقي. فقبل ولادتها، كان هناك اكثر من تجربة إقليمية. وبسبب سياساتها المهادنة، نشأت اكثر من تجربة عربية خارج نطاقها. وتطورت أكثر من تجربة محلية بشكل مستقل تماما عنها مثل منظمة "الحق" الفلسطينية وتجربتي سورية والبحرين.

بكلمة ، لم تنح الحركة العربية في السنوات الخمسة عشر الأخيرة منحى واحدا و لم يكن هناك أنموذجا ممتازا يتبع.  فقد اختلفت أساليب النشأة  ومراحل التطور بشكل غريب. وضمت الحركة منظمات متأثرة بأحزاب معينة أو طوائف محددة وأخرى مفتوحة العضوية تعددية التركيب. كذلك بدأت قضية المهنية تطرح هيكلة جديدة محدودة العضوية ومحصورة المشاركة. ولم تلبث حركة حقوق الإنسان أن برزت، بالرغم من كل مشاكلها وأساليب الحصار المختلفة التي تعاني منها، كقوة مؤثرة في المجتمع وطبيعة الدولة ولو اختلف هذا التأثير بين بلد وآخر، إلا أنه موجود. فعندما يتمكن مجموعة من البشر لا يزيد عددهم عن عشرين شخصا من كسر الطوق في قضية الاعتقال التعسفي في بلدهم أو فتح ملف المفقودين على مصراعيه أو إجبار حكومة تسلطية على التراجع عن إجراءات غير ديمقراطية، يكتسب هذا النضال  ثقة المجتمع بسرعة ويعاد الاعتبار للعمل العام بعد كل الهزائم المبكرة التي عاشتها المنطقة العربية ويفتح أمام الناس حق التفكير في احتمالات متعددة لوجودهم لا يغيب عنها الحق في مجتمع متمدن يحترم حقوق الأفراد والجماعات ويعتبر احترام حق الآخر في الوجود جزءا لا يتجزأ من كرامة الذات.

أزمة ذاتية وحصار خارجي

من مآسي العرب المعاصرة أننا ما زلنا حتى اللحظة بحاجة إلى إقناع هذه الحكومة أو تلك بحق المنظمة غير الحكومية في الوجود والنشاط. أقول مأساة، لأن المنظمات غير الحكومية قد نجحت على الصعيد العالمي في تحقيق أهم ثورة سلمية وهادئة ذات آثار لا تحصى على البشرية في القرن العشرين. فقد اتسع نطاق هذه الظاهرة بشكل كبير  وصل إلى 105 ضعف من عام 1909 إلى عام 1984. وغطت نشاطاتها ميادين عديدة سبقت فيها السلطة التنفيذية متجاوزة العديد من جوانب قصور السلطة السياسية. هناك أكثر من 35 دولة في العالم لا يحتاج فيها المرء إلى أي إجراء لنيل حقه في تشكيل جمعية حتى ولو انحصر الأمر بطابع مالي بقيمة عشرين فلسا. وفي أكثر من خمسين بلدا يقوم قانون الجمعيات على مبدأ "علم وخبر"، أي إعطاء العلم بوجود الجمعية لمديرية المحافظة التي لا تملك سوى حق نشر الخبر في الجريدة الرسمية وإعلام مؤسسي الجمعية باستلام بريدهم مع رسم مالي يقل بكثير عن رسم الانتساب لمنظمة عالمية. وفي مقارنة أجريتها بين وضع الجمعيات في بوركينا فاسو (وهي ليست واحة للديمقراطية) وسورية كان أول استنتاج هو أن سورية تعيش في حالة تخلف على صعيد العمل الأهلي وحقوق الجمعيات غير الحكومية بالمقارنة مع هذا البلد الإفريقي. ولو قارنا قوانين الجمعيات في الأربعينات والتسعينات في مصر وسورية ولبنان وتونس والجزائر والعراق لوجدنا تراجعا في جملة البلدان المذكورة، فأين نحن وماذا نناقش وأين منا العالم اليوم؟

كحركة ومنظمات وأفراد، لنا سلبياتنا وعيوبنا. وتقييمنا الذاتي ونقدنا لما هو سلبي في مسيرتنا جزء أساسي من شروط تقدم الحركة العربية لحقوق الإنسان. لكن ما يحدث، هو استعمال بعض هذه السلبيات أو العيوب وتوظيفها لضرب فكرة لم يعد بإمكان المجتمع البشري التقدم بدونها اليوم. من هنا، وقبل مناقشة أوضاع القوانين العربية، يحق لنا أن نطرح سؤالا بسيطا على كل عربي في موقع المسئولية السياسية :  أي مجتمع نريد؟ هل نريد مجتمعا تعدديا وديمقراطيا؟ إن كان الجواب نعم،  فإن من بديهيات العمل السياسي والعلوم السياسية اليوم أن لا ديمقراطية دون امتلاك المجتمع لوسائل مستقلة لرصد ممارسات التعبيرات المختلفة للسلطة في الدولة والمجتمع.  ولا وسيط من أجل اقتصاد العنف يفوق في أهميته المنظمات غير الحكومية.

في تقييم نقدي لتجربة المنظمة المصرية، يركز الدكتور محمد السيد سعيد على خمس محطات للصراع الداخلي: الجدال حول الشرعية، الجدال حول المهنية، الجدال حول التمويل الأجنبي، الجدال حول شبكة العلاقات الدولية، الجدال حول التطور المستقبلي(11). دون الدخول في تفاصيل المواضيع المذكورة، نلاحظ أنه وباستثناء المحطة الخامسة، فإن القانون السائد والعسف والأحكام المسبقة والمواقف السياسية كانت تكبل جهود المنظمات العربية غير الحكومية وتستهلك الأهم من طاقات أعضائها في الوقت نفسه نجد الجمعية الهندية أو الفرنسية لا تصرف للموضوع الأول أي وقت يذكر ذلك لوجود قانون غير قمعي للجمعيات والحد الأدنى المطلوب من الحريات الأساسية. وعندما تناقش مسألة المهنية  يكون منطلق ذلك الحاجيات الفعلية والمقاربة الخاصة لمفهوم المنظمة، مفتوحة أو مغلقة العضوية. في حين أصبح من عاديات الأمور وجود شبكة تضامن وتعاون وحوار إقليمية وعالمية.  وتنص مادة "موارد الجمعية" في النظام الداخلي الذي يقره مؤتمر الجمعية أو مجلسها على ما يتفق عليه الأعضاء -وليس وزير الداخلية-  بشأن السياسة الاقتصادية للمنظمة. 

ليست السلطة السياسية مسؤولة وحدها عن هذا الوضع. فهناك مشكلات ثقافية بنيوية تركت آثارها في التعبيرات الأهلية. وهناك الخلفية السياسية للأعضاء وضغوط الأحزاب السياسية في السلطة والمعارضة. إلا أن إجبار حركة حقوق الإنسان العربية على إعطاء جهد كهذا يعود إلى كون وزير الداخلية التونسي قد رفض إعطاء ترخيص للمجلس الوطني للحريات في تونس في مارس 1999  (وبالتالي فتح النقاش هل يستمر الأعضاء أو يتوقفون؟) ولأن القانون المصري والسوري والعراقي قبل الاحتلال  يمنع تلقي أية مساعدة خارجية  ويشمل الأمر في الأنموذج البعثي  أفراد العائلة الذين يعيشون في الخارج، فإن التمويل موضوع نقاش مركزي ومصيري كونه قد سبب اعتقال 21 مناضلا لحقوق الإنسان في سورية في 1991-1992 حكموا بالسجن من 3 إلى 10 سنوات لمجرد قبول مبلغ لا يكفي لشراء آلة كاتبة من فرع الخارج لنفس المنظمة التي ينتمون إليها؟ ويشكل التعاون غير الاقتصادي مع طرف أجنبي في عدة بلدان عربية جريمة باسم الوطنية ويمكن إخراج هذه القوانين التي أكل الدهر عليها وشرب في كل مرة تحتاج فيها السلطة السياسية لردع نقادها.

ويمكن القول أن التسعينات تحمل خطابا أكثر خطورة يقوم على التبني الاسمي لحقوق الإنسان وفكرة المنظمات غير الحكومية والضرب الفعلي لها عبر المحاصرة لإمكانية العطاء والتقدم لهذه الظاهرة.

ودّع انقلاب البشير الثمانينات بضرب قانون الجمعيات وإلغاء حق المنظمة السودانية لحقوق الإنسان في الوجود.  وباشرت تونس أولى التقييدات بصدور القانون الأساسي المنقح لقانون الجمعيات في 2 إبريل 1992  الذي منع الجمعيات من رفض انخراط أي شخص. وبالتالي سمح للحزب الحاكم بالدخول الكمي إلى الجمعيات والسيطرة التدريجية عليها. وثانيها إدخال مجلة الصحافة والمجلة الجنائية كطرف في التعامل مع العمل الأهلي، حيث أصبح إعطاء الرأي في انتهاك لحقوق الإنسان يعاقب عليه في "قضايا الثلب ونشر الأخبار الزائفة". وهكذا أمضى خميس قسيلة سنتين في سجن العاصمة التونسية ويلاحق قرابة عشرين محاميا ونشيطا لحقوق الإنسان في مشاكل قضائية. أما في المثل الجزائري، فقد توافقت الفترة نفسها بإعلان حالة الطوارئ والحرب الأهلية مع ما رافق ذلك من خناق في حق تشكيل الجمعيات وتلقيها للمساعدات المالية وحق المرخص منها في تنظيم الندوات والاجتماعات العامة. وكان آخرها منع اجتماع دعت له الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان للمنظمات الإفريقية غير الحكومية على هامش القمة الإفريقية في شهر يوليو الماضي. أما المغرب، ورغم وجود أحد مؤسسي المنظمة العربية لحقوق الإنسان في رئاسة الوزراء، فقد صدر قبل ثلاثة أشهر قرار بمنع الجمعيات غير الحكومية من استعمال الصالات العامة. القرار الذي يعني ضرب الجمعيات الصغيرة غير القادرة على استئجار الصالات الخاصة والفنادق وبالتالي النيل من البنية التحتية الفعلية للجمعيات في المغرب. ولو انتقلنا للمشرق، لوجدنا تراجعا عن قانون الجمعيات في لبنان (القائم على علم وخبر) حيث أصبحت موافقة وزير الداخلية شرطا في الترخيص للمنظمة غير الحكومية. وليس في قانون "حماية الثورة" الذي مازال ساري المفعول منذ 1965 ما يعطي المنظمات غير الحكومية في سورية أي مجال للوجود. ويمكن القول أن الوضع في العراق كان مشابها مع القبول الشكلي بالجمعية العراقية لحقوق الإنسان التي حرصت عبر تركيزها على قضايا الحصار، على عدم التبعيث الكامل أو الموت الفعلي.

المثال المصري

مع الأهمية البالغة لكل تجربة عربية، فإن أهم معارك قانون الجمعيات هي تلك التي تحدث في مصر. أولا  لما لهذا البلد من أهمية مرجعية بالنسبة للعديد من البلدان العربية، وثانيا للوقع النفسي-المجتمعي لهذا البلد على العالم العربي حكومات وشعوب. فضمن المعطيات العربية الحديثة، إذا عطست مصر، أصيب العالم العربي بالزكام. وليس من الزملاء في فلسطين والعالم العربي،  من يعترض على هذه العلاقة الجدلية وقد رأيناها واضحة في قضية قانون الجمعيات.

دفعت مصر(12) غاليا ثمن التراجع الأهلي مع تقدم أنموذج بيروقراطي وطني للحكم. وبعد تفكك هذا النمط بنهج كامب دافيد وتعفن الهياكل الضرورية لاستمراره،  بدأت سياسة انفراج نسبية في وضع الجمعيات متقدمة بالتأكيد على القانون 32 لسنة 1964. إلا أن الحركة المصرية لحقوق الإنسان  شهدت نموا واسعا وتأثيرا متصاعدا في المجتمع المصري يفوق سقف القانون والتصور الحكومي للعلاقة بالمنظمات الأهلية. وصارت مع الوقت قوة أمر واقع. الأمر الذي يعني في أي بلد يقرأ المشرع فيه حاجيات المجتمع، تغيير القانون ليضع الحالات الأهلية المتقدمة عليه في وضع شرعي عصري وجديد. لقد سعت حركة حقوق الإنسان في مصر لفتح حوار جاد مع الحكومة منذ ثمان سنوات، أي منذ قيام الحكومة بحل جمعية تضامن المرأة العربية في عام 1990، وأعدت المنظمة المصرية لحقوق الإنسان في ذلك الوقت - ثم تلاها عدد من منظمات حقوق الإنسان الناشئة، مذكرات ودراسات قانونية متعددة بقي ذلك دون أدنى استجابة من الحكومة، بل على العكس،  شرعت الحكومة في فرض قيود جديدة على منظمات حقوق الإنسان منذ عام 1995.

منذ ديسمبر/ك2 1996 بدأت تتسارع خطى منظمات حقوق الإنسان من أجل التقدم ببدائل قانونية جديدة، فعقدت عددا من ورش العمل وحلقات المناقشة بمشاركة عدد من أبرز الخبراء القانونيين المختصين في مصر استقرت من خلالها على ضرورة العودة في هذا الشأن إلى القانون المدني الذي كان ساريا في مصر حتى يوليو 1952.

في 29 فبراير/شباط 1998 وضع تحالف منظمات حقوق الإنسان مشروعا بقانون بديل، تبناه أربعة نواب بمجلس الشعب يمثلون أحزاب الوفد والعمل والتجمع. وبادرت منظمات حقوق الإنسان بإرسال مشروع القانون إلى كل أعضاء مجلس الشعب والشورى وإلى السادة رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ووزيرة الشئون الاجتماعية، داعية إلى عقد اجتماعات عمل مع ممن يفوضونه، ولكن للآسف لم تتلق هذه المنظمات أي رد.

وفى أوائل مايو/أيار بعثت وزارة الشئون الاجتماعية ببيان إلى الصحف، تعلن فيه عن انتهائها من إعداد مشروع القانون وتعرض فيه عدد من أبرز ملامحه. ثم تلتها تصريحات حكومية متتالية في الصحف تعلن بأن القانون أمام السيد رئيس الوزراء تمهيدا لإحالته إلى مجلس الشعب لاستصداره قبل انتهاء دورته هذا الشهر.

وأمام انسداد كل أبواب الحوار مع الحكومة واتضاح المستقبل المشئوم الذي يعده للمجتمع المدني، مشروع القانون الحكومي، فقد وجدت منظمات حقوق الإنسان أن واجبها يحتم عليها إبلاغ الرأي العام على أوسع نطاق ممكن بموقفها، خاصة وأن الدراسة المدققة كشفت عن أن المشروع الجديد الذي يحمل تاريخ 29 أبريل كان أسوأ من سابقة والذي أعد في فبراير 1998، بل جاء في بعض مواده أسوأ حتى من القانون 32 لسنة 1964 سيئ الصيت. والأسوأ منه، هو الطريقة التي جرى إقراره في مجلس الوزراء في 13/5/1999 وتحويله إلى مجلس الشعب في موعد متأخر مساء الأحد 16/5/1999 ومن ثم تصديق المجلس ورئيس الجمهورية في زمن قياسي عليه.

تكفي قراءة المواد 34 و16 و75 و 42 و 75 و 11 لأخذ فكرة عن مأساة هذا القانون الذي خلق دون شك حالة فصام بين الواقع والنص لا يمكن تجاوزها إلا بسحب النص أو اغتيال القوى الحية في الواقع. 

وكما يشير تقرير مركز المساعدة القانونية لحقوق الإنسان، ينتقص النص من الحق الدستوري نفسه بتقزيمه لما أعطى الدستور فكيف الأمر إذا ما تحدثنا عن التزامات مصر الدولية، ويتجلى ذلك في ثلاثة أوجه:

1- حظر صور من النشاط (ذو طبيعة سياسية) بالمخالفة لما تضمنه النص الدستوري

2- الإخلال بالطابع الديمقراطي المقرر دستوريا وذلك بفرض وصاية وهيمنة إدارية على قرارات الجمعية العمومية.

3- الإخلال بالطابع الديمقراطي المقرر دستوريا عند إنشاء الاتحادات.

4 - سلب اختصاصات الجمعية العمومية لصالح المشرع بما يمثله ذلك من انحراف تشريعي.(13)

وفي بلد كمصر، أنجب قمما في دراسة فقه القانون، نرى ثغرات دستورية وقانونية كبيرة في هذا القانون كان الغاية منها إرضاء السلطة التنفيذية على حساب الفقه القانوني عينه، وكما يشير التقرير السابق فإن "معظم المخالفات التي تبرر حل الجمعية قضائيا والواردة في مشروع قانون الجمعيات (كتب النص قبل التصويت) تشكل في جوهرها مخالفات ارتكبها أشخاص حتى ولو كانوا في مجلس الإدارة وبدلا من أن يتحملوا هم بمغبة ما ارتكبوه من مخالفات، أتى القانون ليحاسب الجمعية كشخص معنوي بعقوبة الحل القضائي الوجوبي وكان يمكن أن يفهم هذا التشدد لو اشترط القانون في المخالفات التي تستوجب حل الجمعية أن تكون صادرة عن الجمعية العمومية للجمعية أو واردة في نظامها الأساسي أما وقد فرض المشروع هذا العقاب الجماعي لكل أعضاء الجمعية حتى عن أخطاء صادرة من أشخاص فإن ذلك لا يتعارض فحسب مع مبدأ التناسب بين العقاب والجرم المرتكب وإنما يتعارض مع مبدأ شخصية العقوبة ومع مبدأ وجود ضرورة اجتماعية للتجريم والعقاب" (14).

وباختصار، فإن أحسن خدمة تؤدى إلى الحكومة، وليس فقط المنظمات الأهلية في مصر، تكمن في سحب هذا القانون في أسرع وقت ممكن، لما يترتب على احترامه من نتائج كارثية على مفهوم استقلال العمل الأهلي ودوره الخلاق خارج نطاق أي تأثير أو ضغط أو ردع من جانب السلطة التنفيذية.

محاولة استنتاج

إننا في قضية قانون الجمعيات نواجه تجربة فريدة في مصر وفلسطين وقبلهما في تونس.  فالغرب الذي حل هذه المسألة منذ نهاية القرن الماضي ومطلع هذا القرن لم يعد يعيرها الأهمية الضرورية في أدبياته ونضالاته. وقد فشلت محاولة تأطير تعريف وصفة المنظمات غير الحكومية مع إيجاد وضع حقوقي اعتباري عالمي لها في 1956 في الأمم المتحدة. ذلك لعدم إصرار دول المعسكر البيروقراطي الشرقي على أية استقلالية للمنظمات الأهلية وكذلك مقاومة ديكتاتوريات عديدة في أمريكا اللاتينية  لهكذا نص، وقد انتظر الأمر توسع المجلس الأوربي ودخول دول كان حق الجمعيات فيها جد مقيد لمناقشة الموضوع من جديد. وتشكل الاتفاقية 124 للمجلس الأوربي (24/4/1986) أول  نص ما بين حكومي حول الشخصية الحقوقية للمنظمات الدولية غير الحكومية. وتشترط هذه الوثيقة للتسمية الطابع الخاص للمنظمة وغياب أي هدف للربح  وعملها من أجل الصالح العالمي. الأمر الذي ينطبق على سبيل المثال على اللجنة العربية لحقوق الإنسان. ورغم مرور 13 عاما على هذه الوثيقة لم يوقعها سوى ثماني دول. وهي نص  مقارن هام في النقاش الدائر حول قانون الجمعيات. ولكن أظن أن المرجع الرئيسي، إيجابا أو سلبا، سيكون فيما تتمخض عنه النضالات الحالية من أجل التوصل إلى قانون للجمعيات جدير بعصرنا.

إن تأكيدنا على ضرورة التمتع بكامل الحق في التنظيم وكامل الاستقلالية في العمل يوازي حرصنا على الشفافية التامة والخطاب المسئول في التعامل مع كل السلطات. ولا شك، أننا نجتاز مرحلة سنوات عجاف  مع هيمنة الطابع التسلطي للحكم وفي غياب الشعبية والمشروعية والمشروع عن القيادة السياسية العربية. في وضع كهذا ، نتذكر جملة رودولف فون اهرنغ:  "الحق نضال، محصلة نضال". ومهما طالت المعركة يفترض خوضها بروح متابعة عالية وحكمة وهدوء.

-----------------------------------------

1) أنظر مادة الحسن البصري في: هيثم مناع، الإمعان في حقوق الإنسان، موسوعة عالمية مختصرة، عام 2000 ، دار الأهالي.

2) نفس المرجع، مادة : عبد الله النديم.

3) نشر في مجلته الجامعة في عام 1901 ، أعيد نشره في رواق عربي ، العدد 4 ، أكتوبر 1996 ، ص 148-151 وفي: هيثم مناع: طفولة الشيء، المخاضات الأولى لحقوق الإنسان في العالم العربي، منشورات الجمل، ألمانيا، 1999 .

4) منذ كتابه مقدمة السوبرمان ، يفتح سلامه موسى النقاش حول الفرد ودوره وحقوقه الأمر الذي تابعه في الثلاثينات والأربعينات في "المجلة الجديدة" وكتاباته عن النهضة.  وكان لادمون رباط وسامي الكيالي عبر مجلة "الحديث"  التي صدرت في حلب دورا كبيرا في تعزيز الأفكار الديمقراطية العلمانية وبقي ادمون رباط مخلصا لفكرة الدولة الدستورية وضرورتها في العالم العربي. وفي المغرب العربي كان للطاهر حداد دورا كبيرا في التوجه النهضوي الإصلاحي وزرع ثقافة المجتمع الناضج الذي لا يحتاج لوصاية الدولة أو الحاكم.

5) كتاب نبوية موسى " المرأة و العمل" هو أول محاولة في موضوعه بالعربية صدر في مصر ، أما أفكار منيرة ثابت الأولى فنجدها في مجلتها الأمل بالعربية و الفرنسية التي بدأت في الصدور عام 1925. وكانت هدى شعراوي تصدر بالفرنسية مجلة "المصرية"  منذ العشرينات. و نجد وشائج الصلة بين ما يجري في مصر و عموم المشرق من إصرار كتاب و شعراء مثل الزهاوي مثلا على خوض معاركهم انطلاقا من القاهرة كتلك المتعلقة بحرية المرأة و حقوقها في 1910، وتواقت بعض المعارك في بيروت ودمشق مع أخرى في القاهرة كما نلاحظ عند صدور كتاب نظيرة زين الدين "الحجاب والسفور" الذي رافق تصاعد نضال المرأة في هذه البلدان ضد الحجاب والعزل.

6) رئيف خوري ، حقوق الإنسان من أين وإلى أين ، دار ابن زيدون ، دمشق 1937 . قسم هام من الكتاب أعدنا نشره في: "طفولة الشيء، المخاضات الأولى لحقوق الإنسان في العالم العربي"، مذكور.

7)  من المفيد مراجعة مجلات تلك الفترة مثل "الحديث" الصادرة في حلب و "الطريق" الصادرة في بيروت و"المجلة الجديدة" و"التطور" و"المقتطف" و "الفجر الجديد"  في مصر الخ.

8) انظر حول هذا الموضوع : هيثم مناع : عرض تاريخي لحقوق الإنسان في العالم العربي، مقدمة الكتاب الجماعي : سلامة النفس و الجسد ، التعذيب في العالم العربي في القرن العشرين ، 10/12/1998، اللجنة العربية لحقوق الإنسان (بالفرنسية والعربية).

9) في مقالته : إعلان حقوق الإنسان الذي أقرته جامعة الأمم المتحدة: نواقصه، نواحيه الإيجابية، واقتراح على المثقفين اللبنانيين، في: طفولة الشيء، مذكور، ص 75-84.

10) إشارة إلى كتاب د. منصف المرزوقي، الاستقلال الثاني، الدولة العربية الديمقراطية الحديثة، دار الكنوز الأدبية، 1997، بيروت.

11) د. محمد السيد سعيد، جذور الاضطراب في المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، ديناميات بناء المؤسسات المدنية في مصر، في الكتاب الجماعي: تحديات الحركة العربية لحقوق الإنسان، تقديم وتحرير: بهي الدين حسن، مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، 1997، ص 80.

12) لتحرير هذا القسم تم الاعتماد على تقارير مركز المساعدة القانونية لحقوق الإنسان، المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، نشرة  "سواسية"  الصادرة عن مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، مجلة نشطاء الصادرة عن البرنامج العربي لنشطاء حقوق الإنسان والمشروع المقترح من مركز القاهرة وجماعة تنمية الديمقراطية ومركز المساعدة القانونية.

13) مركز المساعدة القانونية، رؤية أولية حول حق تكوين الجمعيات وحق التنظيم في الدستور المصري والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان وموقف المركز من مشروع قانون الجمعيات والمؤسسات الخاصة، 15/5/1999 ، القاهرة.

14) نفس المصدر.

هيثم مناع

مدى نجاعة وسائل الحماية المعاصرة في الدفاع عن الجمعيات الإنسانية والخيرية

تمهيد

مبدأ رفع المظالم أو حماية من تنتهك حقوقه، بمفهوم الحقوق في زمان ومكان محددين، من أقدم القيم الإنسانية تأصلا عند مختلف الشعوب والثقافات. وعندما نقول تأصلا، لا نقول بالضرورة احتراما أو تقيدا بالعهد والذمة، لذا لا نستغرب أن من الوسائل النفسية الأعمق للدفاع الذاتي، بحث البشر المستمر عن هذا الشرط الضروري لأمانهم وسلامتهم عبر ادماجه في ثقافتهم بشكل أو بآخر وبمعنى أو بآخر. ولعل في الصورة الجميلة التي يختصر بها ابن الأثير حلف الفضول، ما يكثف الحاجة الإنسانية إلى الرادع الأخلاقي في مواجهة أشكال العسف والاستغلال والاستعباد التي عاشتها البشرية، حين يسجل لأهل مكة تحالفهم وتعاقدهم على "أن لا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها أو من غيرهم من سائر الناس إلا قاموا معه وكانوا على ظالمه حتى ترد عليه مظلمته".

أصّل المجتمع العربي الإسلامي فكرة حماية أموال العمل الخيري، ويتجلى ذلك بوضوح في الأوقاف الخاصة التي يوقفها تقي أو محسن أو مؤثر للخير. وعلى مر العصور والخلافات، وباستثناء حوادث محدودة الفعل والأثر، كان من المسلمات القيمية والقانونية والفقهية، عدم الرجوع في الوقف ولا التغيير في شروطه أو الاستبدال بأمر الواقف إلا إذا صدر به إشهاد ممن يملكه لدى أحد المحاكم.

 في أوربة سيكون ميثاق الشرف الأعظم (1215م) النص المبكر لأكثر من قضية تحدد الاضطهاد في قوة العمل حيث تحرم إجبار الأشخاص على القيام بعمل يفوق طاقتهم، والاضطهاد بالاعتقال والسجن ونزع الملكية أو النفي كذلك إقرار حق العدالة لكل شخص. وسيبدأ مع عصر التنوير التأصيل لفكرة حماية فعل الخير باعتباره من مقومات الألفة والمدنية. القارة الآسيوية ستعرف أشكالا عديدة لحماية العمل الخيري لم تأخذ حقها بالعالمية وبدأنا باكتشافها في القرن العشرين. أما إفريقيا العميقة فقد حافظت على وصلة سحرية بين الاعتقاد المجسم في الحياة والتضامن مع الضعيف خسرت روحه مع دخول الاستعمار الأوربي.

الحماية الدولية والإقليمية

رغم دخول حق التنظيم وقوانين الجمعيات في الوعي الجمعي الأوربي منذ أكثر من مائة عام، فقد تأخرت فكرة حماية الجمعية أو المنظمة أو العاملين في تنظيم يهدف لخدمة الصالح العام خارج حدود الدولة.  ولم تتطرق الإرهاصات المبكرة في  القانون الدولي والأشكال الأولى للعمل الجماعي فوق القومي كذلك المحاولات الأولى لفيدراليات مهنية عالمية، لم تتطرق لضرورة اتفاقية دولية أو اقليمية لحماية التعبيرات غير الحكومية وراء الحدود. وعلينا انتظار النصف الثاني من القرن العشرين لتبدأ فكرة بناء منظومة فعلية عالمية لحماية حقوق الإنسان تشهد تقدما ملموسا لنسمع أصواتا تطالب بهكذا إعلان مبادئ أو بيان عالمي أو قرار من الأمم المتحدة. وللأسف فشلت المنظمة الأممية في 1957 في إقرار نص مشترك في هذا الموضوع.

ولكن ما هي وسائل الحماية التي توصلت لها المنظمات بين الحكومية حتى اليوم وهل يمكن تفعيلها لحماية الجمعيات الإنسانية والخيرية وكيف ؟

على الصعيد العالمي والإقليمي، يمكن رصد ثلاثة أشكال للحماية:

دول تلتزم عبر تصديقها على اتفاقيات وتقدم بشكل دوري تقارير يتم دراستها من قبل لجان مشكّلة من خبراء يراقبون مدى تطبيق الاتفاقيات من قبل الدول الموقعة عليها. وفي هذه التقارير، من واجب الدول أن تقدم فكرة عن الإجراءات التي اتخذتها لاحترام التزاماتها الدولية.

يسمح اللجوء إلى المؤسسات الدولية لضحايا الانتهاكات من أفراد أو دول ولممثلي المجتمع الدولي بإعداد شكاوى أو طلب مقاضاة الدول التي تنتهك حقوقهم.

يمكن لفرق عمل دولية من الخبراء أن تقوم ببعثات تحقيق للمعاينة الميدانية ومراقبة مدى احترام حقوق الإنسان في البلدان التي تزورها وأن تقوم بصياغة التوصيات الضرورية المطلوبة من السلطات في هذه البلدان. 

 حتى لا نبدأ بنقاط الضعف، نود أن نسجل أن الخاصية الكبرى لمنظومة الحماية أنها جعلت قضية حقوق الإنسان قضية عالمية. وانطلاقا من وضع هذه الآليات موضع التنفيذ، أصبح العديد من انتهاكات حقوق الإنسان، التي كانت تمر بصمت، موضوع شجب وإدانة ومقاومة. وبالاعتماد على هذه الآليات، يمكن للمجتمعات المدنية والمنظمات غير الحكومية أن تكون أكثر فعالية في الدفاع عن الحقوق الإنسانية. الأمر الذي لا يعني أننا أمام سلاح قادر على الفعل كلما انتهكت الحقوق الأساسية لفرد أو جماعة، بل وأكثر من ذلك، لا يعني تحسنا منهجيا في أوضاع حقوق الإنسان. ويعود الأمر في ذلك لعدة أسباب أولها أن سقف آليات الحماية قد تم تحديده من الدول لا من الشعوب، وبالتالي كان هذا السقف يتحسن ضمن الصراعات السياسية وتناقضات المجتمع الدولي ويتراجع منذ استفردت الولايات المتحدة بدفة السيطرة. ثانيها أن الدول في كل حالاتها لم تغامر بحدود قانونية تسمح للمجتمعات المدنية على الصعيد العالمي بالتعرض لما يمس امتيازاتها وقياداتها وسيادتها. وثالثها أن قضايا الضعفاء لا ترتقي لمستوى المصالح الأساسية للأقوياء إلا أن بالإمكان استعمالها وتوظيفها من قبلهم. ورابعها أن هذه الدول لها صداقات وعداوات وحلفاء وخصوم الأمر الذي يجعل التصرف الدولاني انتقائي الطابع. وبكل الأحوال، فقد حصرت الدول في العديد من الحالات مجالات التدخل والحماية والشجب بمنظومة التقارير كآلية وحيدة لمراقبة تطبيق الالتزام  كما الحال في العهد الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، أو المعاهدة الخاصة بحقوق الطفل.

 هذا الإجراء مقبول بسهولة أكبر من الدول من باقي آليات المراقبة لاحترام حقوق الإنسان، وبشكل خاص الشكاوى. لأن إعداد تقرير لا يضع الدولة في موقع المتهم. وهو قليل الإزعاج، فالإلزام الوحيد الذي يفرضه هو إعداد وتقديم تقرير. أما الملاحظات والتوصيات من قبل هيئات المتابعة بعد تفحّص هذا التقرير فليس لها أي طابع ملزم بالنسبة للدولة المعنية. أكثر من ذلك، فإن الهيئات المكلفة بحماية حقوق الإنسان غالبا ما تقوم بتذكير الدول التي تهمل هذا الواجب بتأخرها عن قيامها بواجبها وأحيانا بشكل كبير.  من الضروري التذكير بأنه عندما تقوم هيئات حماية حقوق الإنسان بدراسة شكوى مقدمة بطلب دولي، فإن الانتهاكات المذكورة فيها لا تملك في معظمها صفة ملزمة. وحدها القرارات الصادرة عن المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان والمحكمة الأمريكية لحقوق الإنسان تمتلك هذه الصفة الملزمة للدول. ومع هذا، فإن المحكمة الأوربية لا تستطيع إدانة الدولة بأن تفعل أو لا تفعل، فقط تستطيع إلزامها بدفع تعويضات للضحية. هذه للأسف هي الحالة الوحيدة التي يمكن فيها لأشخاص تعرضوا للملاحقة أو التعذيب أو مصادرة أموالهم أو توقيف جمعياتهم للدفاع عن النفس واستعادة نوع من الاعتبار المعنوي الذي كسرته وسائل الإعلام المستشرسة فيما صار يعرف بالاسلاموفوبيا (الخوف من الإسلام).

 أما تنظيم بعثات التحقيق الدولية يقوم غالبا على أساس غير تعاقدي أو وفقا لاتفاقية محددة. وهو يتم في كل حالة بعينها بين الطرف المنظم (منظمة غير حكومية أو بين حكومية أو مجموعة منظمات أو مقرر في الأمم المتحدة..) والدولة المعنية. إن المهمات المرسلة غالبا ما تخضع ميدانيا لمشيئة الدول. وفي حالات نادرة، يكون للتحقيق الدولي أساسا في الاتفاقيات المعنية (اتفاقيات جنيف، الاتفاقية الأوربية الأوربية لحقوق الإنسان والحريات الأساسية)، الأمر الذي يعطي للخبراء المعنيين حق زيارات فعلية وقدرة على التدخل. وحتى في هذه الحالة، فإن الزيارات الخاصة بالأمم المتحدة والصليب الأحمر الدولي تخضع لمبدأ السرية، ولا يتم نشر تقارير وتوصيات الخبراء دون موافقة سلطات الدولة المعنية، ولا يسمح للمنظمات غير الحكومية بنفس الهامش من التدخل والتعرف على ملابسات الانتهاك الذي تتعرض له الجمعية أو العامل فيها، بحيث يكون المصدر الرئيسي إن لم نقل الوحيد للتعرف على إشكاليات القضية هو الضحايا أنفسهم. من هنا الحاجة الماسة لإتقان وسائل الضغط غير المؤسساتية والتي تشمل شبكة العلاقات المدنية المتربعة فوق الحدود جغرافية أو عرقية أو ثقافية كانت، وتحديد استراتيجيات عمل قادرة على اختراق الاحتكار الشمالي للإعلام. 

أليس من المضحك، ونحن نتحدث في الاتفاقيات ملاحظة أن الدولة التي لم توقع هي الأكثر "حرية" في انتهاك الحق وأن من وقع وتحفظ أقل التزاما ممن وقع بلا شروط. التوقيع على البروتوكول الملحق باتفاقية حظر انتشار الأسلحة النووية يظهر لنا كيف تقع إسرائيل خارج المعاقبة والمحاسبة وكيف يدافع أنصارها عن وضعها باعتبارها غير ملزمة بما لم توقع عليه. أو أن يكون كشف وقائع مجزرة (مثل قانا) من قبل الأمين العام للأمم المتحدة سببا في حرب لم تنته إلا برفض تجديد ولايته؟ هل وضعت الدول كل هذه القيود وتريد من المنظمات غير الحكومية اعتبار حدودها سقفا نضاليا صالحا؟

مسألة أخرى جوهرية، إن حقوق ومسؤوليات الأفراد والجماعات العاملة في الفضاء الإنساني والخيري تقع في صلب الحقوق المدنية والسياسية، ولو أن نشاطها يصب بشكل مباشر أو غير مباشر في دعم الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (بناء المشافي، بناء المدارس، مساعدة الجماعات المستضعفة..) ومن المضحك المبكي أن هذه الحقوق والمسؤوليات لا تعامل كما تعامل الحقوق المدنية والسياسية الأخرى. وربما كان لهذا التداخل بين تعزيز التعاون بين المجتمعات والشعوب، رفع مستوى التعليم والصحة والتغذية وشروط البيئة المقبولة في جو يتيح حق التنظم والمبادرة من مصادر الشعور بالخطر عند من يقرع اليوم أجراس الخطر الإرهابي. فهذه الجمعيات تشكل أحد أهم مقومات النسيج المدني الذي يسمح للجماعة بوعي حقوقها ومصالحها عبر قدرتها على التفاعل المباشر مع الأفضليات وعدم ربطها التعاون الدولي الفعال بالمصالح والأبعاد الجيو سياسية للحكومات واعتمادها مبادراتها الذاتية وأساليب عملها المبتكرة، لا النصوص الجامدة التي تأتي من موظفي القبعات الزرق أو القبعات البيض. وفي هذا المجال تحديدا (البعد التكاملي للجمعية الإنسانية في كل الحقوق) لا يمكن القول أن هناك استهداف للجمعيات بقدر ما تدفع الجمعيات ثمن غياب الآليات التي تسمح لها بما يضمن الحقوق الجماعية. مع أن تحقيق هذه الحقوق، بشكل خاص التنمية والتعليم والصحة والحد الأدنى الضروري للغذاء واحترام حقوق الشعوب وحماية البيئة، يفترض أن يعتبر شرطا أساسيا لضمان الحقوق والاحترام الفعلي للحقوق الفردية للأشخاص، بل لنقل لتشجيع وتقوية حقوق الإنسان في المجتمعات المحيطية على الأقل.

إن كان حق تشكيل وعمل الجمعيات غير الحكومية السلمية مثبت في العهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (المادة 22) والاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان (المادة 16) والاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان والحريات الأساسية (المادة 11) فقد تضمنت كل هذه الاتفاقيات  فقرة عامة تحدد قيودا يمكن أن يقررها القانون بهدف حماية الأمن الجماعي وتحقيق المقتضيات العادلة للنظام العام والمصلحة العامة والأخلاق والرفاه

 من أجل أن تكون مقبولة، تخضع هذه التحديدات لشروط ثلاثة يلخصها ديدييه روجيه بالقول:

أي مساس بحق مصان يجب أن يكون واردا في القانون الوطني. بحيث يستطيع كل مواطن أن يكيف تصرفاته ويستفيد من حماية مناسبة ضد التعسف.

يجب أن يكون لتحجيم الحقوق المصانة هدف مشروع. ويجب أن يتم من أجل حماية المصالح الحيوية للدولة (الأمن الوطني، سلامة الأراضي، الأمن العام، الرفاه الاقتصادي أو العام في البلاد) والحياة الاجتماعية (الأمن  والنظام العام، الحماية من ارتكاب الجرائم، الصحة الأخلاقية والعامة) أو الحقوق والحريات المتعلقة بالآخرين في المجتمع.

يجب اعتبار التدخل ضروريا في المجتمع الديمقراطي. فتحديد الحقوق يجب أن يكون في إطار الضرورة القصوى وأن ينسجم مع الغاية المشروعة التي جاء من أجلها.

من الملاحظ أن عولمة حالة الطوارئ من قبل الإدارة الأمريكية قد تخطت كل هذه الحدود، وهي تمس اليوم مجموعة من الحقوق غير القابلة للمس في الشرعة الدولية لحقوق الإنسان والاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان والدستور والقضاء الأمريكيين. لنأخذ مثلا على ذلك قانون الإحضار  habeas corpus(حق كل شخص محروم من حريته بأن يقدم التماسا للقاضي أو المحكمة)، الذي تعطيه المحكمة الأمريكية لحقوق الإنسان صفة شبه مقدسة، نجده في ملفات الحرب ضد الإرهاب مطاطا ومائعا وفي حالة غوانتانامو موضوعا على الرف. والمشكلة في حال كهذا أن علوية القانون الإقليمي والدولي ليست بالضرورة نقطة قوة، فهي من جهة احتياطية بامتياز، أي أنها تتطلب استنفاذ الفرص المحلية، ومن جهة أخرى لا تعطيها هذه العلوية بالضرورة صفة الاختصاص (نذكر بأن90% من الشكاوى المقدمة للمحكمة الأوربية لحقوق الإنسان يتم رفضها لعدم الاختصاص)

هناك فقط اتفاقيتان إقليميتان ( الأوربية والأمريكية) تنظمان نوعا من الرقابة القانونية لاحترام الدول الأطراف الحقوق والحريات التي تشملها الحماية الواردة في الاتفاقية. فتطبيقا لكلا الاتفاقيتين، يمكن للأفراد والدول تقديم طعون تتعلق بانتهاك حقوق الإنسان من قبل الدول الأعضاء أمام كل من المحكمة الأمريكية لحقوق الإنسان والمحكمة الأوربية لحقوق الإنسان.

وينجم عن هذا الإجراء، أحكام تصدر فيما يتعلق بموضوع الدعوى وهي ذات طابع إجباري للدول المدانة. والغاية من القرار الصادر هي أولا تقرير فيما إذا كان قد وقع انتهاك للحق أو للحرية المحمية بالاتفاقية. ولكن ليس لهذا الحكم الأهلية لإبطال القانون الوطني، أو إلغاء الإجراء المتخذ أو كسر القرار الداخلي موضوع الخلاف. ويعود للسلطات الوطنية معالجة أمر الانتهاك الواقع. فقد تعهدت الدول الأعضاء بالالتزام بقرارات المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان في الخلافات التي تتعلق بها (لمادة 46 فقرة 1 من الاتفاقية الأوربية). في حين أن إقرار المحكمة الأمريكية بوجود مظلمة، يجعلها تطالب الطرف الذي أوقع الضرر بضمان الحقوق والحريات المنتهكة (المادة 63 فقرة 1 الاتفاقية الأمريكية) ويمكنها استعمال هذه الصلاحية بأن تطالب مثلا الدولة بالإفراج عن شخص معتقل.

من حيث المبدأ، فإن القرار المتخذ من هاتين المحكمتين لا يلزم إلا الأطراف التي يشملها النزاع، ولا تصلح إلا لهذه الحالة. ومع هذا، ففي الممارسة، فإن للقرارات المتخذة من المحاكم الدولية لها صدى وقوة أكبر، لأنها تسمح بتوضيح وحماية وتطوير الحقوق والحريات الواردة في الاتفاقيات. وهي تحث الدول على تعديل تشريعاتها وقواعدها الوطنية لتكون منسجمة مع متطلبات الاتفاقيات وتجنب شكاوى جديدة وقرارات إدانة جديدة. إضافة لذلك، فإن الفقه الدولي يلهم الفقه الوطني ويرجح التفاسير والمقاربات المشتركة لحماية الحقوق والحريات في مختلف البلدان.

إذا لم يكن القانون الداخلي يسمح، أو لم يكن يسمح بشكل مناسب بوضع حد لنتائج الانتهاك، فإن للمحكمتين الأوربية والأمريكية السلطة في منح الطرف المتضرر تعويضات عن الأذى الواقع. ويكون هذا التعويض في صيغة دفع الدولة المدانة لغرامة يمكن أن تغطي تكاليف الدعوى والتعويض النقدي عن الأذى المادي أو الاعتباري الذي سببته المظلمة.

 يمكن القول أن هذه الإجراءات في معظمها ذات طابع غير مرتبط باتفاقية أو عهد. وهي تتيح للأفراد ومجموعة الأشخاص والمنظمات غير الحكومية فرصة توجيه مداخلات للهيئات الدولية لإعلامها بوقوع انتهاكات لحقوق الإنسان. وفي بعض الحالات، المطالبة بالتدخل لدى السلطات المعنية بالانتهاك. هذه الإجراءات ذات الطابع غير القضائي لها تأثيرات مختلفة، ولكنها لا تؤدي إلى قرارات صادرة عن الهيئات الدولية تسمح على الأقل بممارسة الضغوط على الحكومات المعنية.

 الجماعات المستهدفة والحماية الوطنية

 من الصعب الحديث عن الحماية القانونية المحلية أو الوطنية بالمفرد، فهناك في عالم الجمعيات الخيرية والإنسانية والحقوقية أبناء الست وأبناء الجارية. ومن الصعب مثلا أن نتصور مصادرة أموال جمعية يهودية تخصص الأساسي من تبرعاتها لبناء المستوطنات في الأراضي المحتلة الفلسطينية سواء كان ذلك في الولايات المتحدة الأمريكية التي وقعت ولم تصدق على قيام المحكمة الجنائية الدولية أو بريطانيا التي وقعت وصدقت، وفي الحالتين في دولتين أقرتا من حيث المبدأ النظري أن الاستيطان جريمة ضد الإنسانية. في حين لا نجد في الكونغرس الأمريكي عددا يذكر من النواب يستنكر الشروط المذلة المطروحة لكل مساعدة من المؤسسات الأمريكية، شبه حكومية كانت أم غير حكومية، والتي تلخصها الاستمارة التالية:

شهادة بخصوص تمويل الإرهاب

 كشرط لازم لإبرام الاتفاقية المشار إليها, فإن (اسم المؤسسة) تشهد بهذا أنها لم تقدم, ولن تقدم, ولن تقدم في المستقبل, أي دعم مادي أو موارد لأي فرد أو هيئة تعلم, أو بوسعها أن تعلم, بأنه يدعو إلى/بأنها تدعو إلى , أو تخطط أو ترعى أو تشارك في , أو أنها قد شاركت في, النشاط الإرهابي, بما في ذلك, على سبيل المثال لا الحصر, الأفراد أو الهيئات الواردة في الملحق الخاص بالأمر التنفيذي رقم 13224 والأفراد والهيئات الأخرى التي قد توصف بذلك لاحقاً من قبل الولايات المتحدة بموجب أي من القرارات التالية:  الفقرة  (21) من قانون الهجرة والجنسية, حسبما جرى تعديله (8 برلمان الولايات المتحدة الفقرة 1189 ), وقانون الصلاحيات الاقتصادية الدولية الطارئة  (50 برلمان الولايات المتحدة الفقرة 1701 ومما يليها ), وقانون الطوارئ الوطنية( 50 برلمان الولايات المتحدة الفقرة 1601 وما يليها ), أو212 ( أ) (3) (ب) من قانون الهجرة والجنسية, حسبما تم تعديله بموجب قانون الوطني الأمريكي لعام 2001, قائمة رقم 107-56 ( 26 اكتو بر 2001 ) ( 8 برلمان الولايات المتحدة الفقرة 1182 ), وتشهد المؤسسة كذلك بأنها لن تقدم دعما ماديا أو موارد لأي فرد أو هيئة تعلم, أو بوسعها أن تعلم, بأنه/ بأنها تعمل كممثل لأي فرد أو هيئة تدعو إلى أو تخطيط أو ترعى أو تشارك في, أو أنها قد شاركت في, أي نشاط إرهابي, أو أنها قد وصفت بذلك, وأنها ستوقف مثل هذا الدعم فورا إذا ما وصفت تلك الهيئة بذلك بعد تاريخ توقيع الاتفاقية المشار إليها,

 ولأغراض هذه الشهادة تشمل عبارة, "الدعم المادي والموارد"  الأموال والخدمات  التالية الأخرى والخدمات المالية والمبادئ والتدريب والملاذ الآمن والمستندات ووثائق إثبات الشخصية المزيفة ومعدات الاتصال والمرافق والأسلحة والمواد القاتلة والمتفجرات والأفراد والنقل والأصول المادية الأخرى, باستثناء الأدوية أو المواد البيئية.

ولأغراض هذه الشهادة , سيكون لعبارة "المشاركة في النشاط الإرهابي" نفس المعنى  الوارد في الجزء 212 (أ) (3) (ب) (4 ) من قانون الهجرة والجنسية, حسبما تم تعديله (8 برلمان الولايات المتحدة الفقرة 1182 (أ) (3) (4).

ولأغراض هذه الشهادة, يقصد بكلمة "الهيئة" شركة  بسيطة أو جمعية أو مؤسسة أو أية منظمة أو جماعة أخرى أو فرع لجماعة.

وتشكل هذه الشهادة أحد الأحكام والشروط الصريحة للاتفاقية وأي خرق لها  سيشكل أسسا لإلغاء الاتفاقية بشكل انفرادي من قبل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية قبل انتهاء مدتها.

مقدم الطلب:

الاسم :-------------------                                  التوقيع :---------

                                                                

الوظيفة:-----------------                                  التاريخ :----------

 

 هذا النص الذي يبدو في غاية البراءة كونه بالأساس موجه لمنظمات غير عنفية هدفها خدمة الإنسان وطبيعتها مناهضة للإرهاب لم يكن بالإمكان أن يستوقفنا لو لا التعسف في استعمال كلمة الإرهاب والتجني في إطلاقها. فكيف بالإمكان مثلا المساعدة في نزع الألغام جنوب لبنان دون التعاون مع المؤسسات الخيرية المنبثقة عن حزب الله؟ حتى وزارات الدفاع في المنطقة تحاول الاستفادة من هذه التجربة التي لم تباشرها بعد "دول غير إرهابية" و"منظمات غير إرهابية". وهل يمكن لمنظمة تعمل على نزع الألغام أن تمتنع عن التعاون مع منظمات واقعة في كنف هذا الحزب تقوم بعملها بكل صدق ومهنية؟ هذا السؤال الذي ينقل الجمعية الأهلية من دورها المركزي في بناء مجتمع مدني فعال إلى إيقاد نيران العداوات الأهلية للدفاع عن مصالح الدولة الأقوى في عالمنا هو الذي يجعلنا نضع كل دعاوى الإدارة الأمريكية المتطرفة الحالية حول الديمقراطية في العالم العربي في سلة الشك. وإلا لماذا جعلت من مهماتها الأساسية تحجيم الجمعيات الخيرية والإنسانية في العالم الإسلامي  وتطويع من يصعب خنقه. هل لأنها قادرة على النمو المستقل والذاتي اقتصاديا، بعكس مراكز حقوق الإنسان والجندر والبيئة الخ المغلقة العضوية المدارة من شخص واحد حوله مجموعة موظفين  والمعدومة الموارد الذاتية وذات التكاليف العالية التي تحرمها من الاستقلال المالي؟ أي بسبب كون الجمعية الخيرية خارج أي وسيلة من وسائل الضغط التي تحدد نشاطها وبرنامجها!

إن كانت مهمتنا على الصعيد الإقليمي والعالمي تكمن في وضع الآليات الموجودة للحماية في فلك التفعيل دون أوهام ومبالغات والسعي المستمر للإصلاح والتطوير، فهي على صعيد الدول تعتمد بناء جسور حقيقية مع قوى مقاومة العسف والخيار الأمني في كل دولة والبحث عن الوسائل الكفيلة بالتحرك المشترك سواء عبر القانون المحلي أو المحاكم الدستورية أو الاختصاص الجنائي الدولي. حسب الحال والوضع.

 هيثم مناع

 نشاط المنظمة غير الحكومية في الفضاء الحكومي

 تختلف المنظمة غير الحكومية عن الحزب السياسي أو المؤسسة الاقتصادية  باعتبارها ظاهرة تمس الاجتماع المنظم والحر للأشخاص بمبادرة منهم  لغير دافع الربح أو الوصول للسلطة. وهي بصفتها هذه تشكل  إنجازا حضاريا كبيرا تخطت به البشرية العلاقات العضوية وروابط القربى أو المصالح الضيقة  إلى الدفاع عن مثل وقيم وقضايا إنسانية عالية في زمان ومكان محددين. ويمكن القول أن وجود تعبيرات وسيطة في المجتمع "خارج" فضاء السلطة والثروة يعتبر، بغض النظر عن البرنامج اليومي والأهداف الداعية للتكون، وسيلة واعية أو غير واعية لدمقرطة العلاقات البشرية وأنسنتها واقتصاد العنف. منذ القديم، عبّر أحد حكماء اليونان عن اعتبار الشأن العام واجبا إنسانيا بالقول: "نحن ننظر إلى الرجل الذي لا يهتم بالمسائل العامة لا على أنه رجل لا ضرر منه بل على أنه رجل لا نفع فيه". وقد أكد الحديث الشريف على عالمية وعمومية العطاء العام بالقول: "اصنع المعروف مع أهله ومع غير أهله، فإن أصبت أهله فهو أهله، وإن لم تصب أهله، فأنت أهله".

أخذ وجود المنظمات غير الحكومية لحقوق الإنسان أهمية اعتبارية كبيرة، من جهة، بسبب التوسع الكمي والعددي الذي شهدته هذه الظاهرة، ومن جهة ثانية، لسيادة فكرة أنها تشكل نخبة ملتزمة بشكل تطوعي ومجاني من أجل الدفاع عن الحقوق الإنسانية. فالمنظمات غير الحكومية هي في نفس الوقت، أشكال وسيطة بين المجتمع والدولة باعتبارها العتلة المنظمة للمبادرات  التحتية للدفاع عن البشر والشجر والحجر وجماعات ضغط على مختلف المستويات هذا من جهة، ومن جهة ثانية، هم الوسطاء على الصعيد العالمي والإقليمي بين الحاجات المحلية لاحترام الكائن الإنسان وكرامته والمؤسسات الدولية.

هناك من يربط بين ظاهرة المنظمات غير الحكومية وما يعرف في أدبيات القرن التاسع عشر بالمجتمع المدني البرجوازي. من الصعب قبول هذه القراءة، بل لعل عجز المجتمعات الأكثر شمولية عن امتصاص وصهر مختلف أشكال النشاط الإنساني في دولتها، ما يترك باستمرار فضاءا واسعا لتعبيرات غير رسمية غنية في أشكال تعبيرها عن نفسها وأنماط تنظيمها، كما هو الحال في آسيا.

من حيث المبدأ، المنظمة غير الحكومية هي التجمع الذي يعود تشكيله إلى مبادرة خاصة. ويشمل تعريف المجلس الأوربي والأمم المتحدة ومعهد القانون الدولي لها الجمعيات والمؤسسات الخاصة التي تضم عددا من الأشخاص لغرض نوعي محدد. وهي عند تمتعها بالشخصية الحقوقية تصبح هوية مستقلة عن أعضائها أمام القانون سواء في المسؤولية الاعتبارية أو المالية. وتخضع المنظمات غير الحكومية حتى اليوم من الناحية القانونية إلى القوانين الوطنية التي تختلف اختلافا كبيرا وفق البلدان. ويمكن بشكل عام تصنيف موقف الدول منها في ثلاثة خانات: أولها من لا يتطلب الإعلان فيه عن منظمة غير حكومية أي إجراء أو إعلام (كانجلترا مثلا)، وتلك التي تخضع لقاعدة العلم والخبر ( أي إعلام السلطات بالنشأة واللائحة الداخلية والمسؤولين الأساسيين كما هو حال فرنسا ولبنان قبل الحرب الأهلية) والثالثة هي التي تقيد شروط تشكيل المنظمات غير الحكومية (وهذا هو حال معظم البلدان العربية باختلاف الدرجة).

تشكل المنظمة غير الحكومية، على الأقل في تعبيرها الخيري والإنساني، قوة فعل تمثيلية في مجال نشاطها وأهدافها. فهي تجمعات تدافع عن فئات أو قضايا أو أشخاص الخ بدافع مثل أعلى أو روح تضامن عامة. وسواء كانت مهمتها تحسين ظروف معيشة المعاقين أو زيارة السجناء أو البحث من أجل الإيدز والسرطان  أو توزيع الطحين في مناطق الجفاف أو بناء المشافي والمدارس، فإن المصداقية الأولى لهذه المنظمات تأتي من قدرتها على العطاء الدينامي العملي والذهني واحتفاظها بالشفافية الضرورية لمصداقيتها في المجتمعين المحلي والدولي، وأخيرا قدرتها على أخذ البعد اللازم من محاولات الاحتواء والتوظيف المختلفة، وأخيرا، امتلاكها باستمرار القدرة على التمييز بين دورها كسلطة مضادةcontre pouvoir   ودور غيرها من المؤسسات السياسية والاقتصادية كمشاريع ثروة أو سلطان. ويمكننا التعبير عن أهم هوامش الفعل غير الحكومي بالقول:

ما يدافع عن مصالح خاصة فردية أو جماعية ضد النظام القضائي أو الممارسات خارج القضائية المفروضة على المجتمع

ما يعكس ويترجم الصراعات الإيديولوجية والمادية بين جماعة خاصة أو فرد مع السلطة السياسية

ما يعبر عن أشكال الصراع الثقافية والفكرية بين بلد تنتمي له وبلدان أخرى في أوقات لا يكون بوسع الدولة القيام بعمل دبلوماسي عميق الأثر

ما يشكل نجدة من الإنسان لأخيه الإنسان خارج نطاق القرار السياسي

قوة ملاحقة لاحترام التزام واقتراح ومبادرة لتطوير القائم وتحسين  وترجمة لطموحات فئات من البشر

مازالت المنظمات غير الحكومية محرومة من شخصيتها الحقوقية والاعتبارية في البلدان العربية. ويشكل بقاءها على قيد الحياة سماحا حكوميا ومنحة تعطى من فوق، وليس حقا طبيعيا للتنظم بين البشر تقر به الشرعة الدولية لحقوق الإنسان. الأمر الذي يترك آثاره على نوعية أدائها وقوة حضورها في المجتمع. ففي حين نجد في فرنسا مثلا جمعية لكل 56 شخص، تقدر النسبة في فلسطين  بجمعية لكل ألفي شخص، وهي نسبة متقدمة بالمقارنة مع باقي الدول العربية حيث  لا يتعدى عدد الجمعيات في العالم العربي كله عددها في المنطقة الباريسية. وبمقارنة بسيطة بين بلد عربي وبلد أوربي نلاحظ أن عدد الجمعيات في بريطانيا يبلغ 20 ضعف لهذا العدد في مصر. الأمر الذي يستتبع غالبا ضعف في شبكة العلاقات المجتمعية ووهن في مدنية المجتمعات وتدنيس للوعي العام وإطلاق لعسف السلطات في المجتمع والدولة. ويمكن اجمال وسائل الحصار بما لخصه الدكتور أمين مكي مدني في دراسته عن (تشريعات وقوانين المنظمات الأهلية العربية) :

القيود التي تفرضها القوانين على حق تكوين المنظمات في عدد ومؤهلات الأعضاء ومحتويات النظام الأساسي من حيث تحديد الأغراض والهياكل الإدارية المختلفة، وتدخّل السلطات في تعديل نظم الجمعية.

حق السلطات الإدارية في رفض ترخيص أو شهر الجمعية بسبب أو بدون سبب، مع حرمان المؤسسين من التظلم أو الاستئناف ضد قرار الرفض إلى السلطات القضائية.

السلطة الممنوحة للجهة الإدارية في بعض القوانين بجواز حل الجمعيات للأسباب التي يحددها القانون وتقدرها الجهة الإدارية خاصة في الحالات التي لا يجوز فيها الطعن في قرار الحل أمام القضاء، ما يجعل قرار السلطة الإدارية نهائيا لا رجعة عنه مهما كان تعسفه وظلمه.

السلطات الواسعة الممنوحة للجهات الإدارية في عدد من الدول بالنسبة للرقابة الصارمة السابقة أو اللاحقة بدلا عن الإرشاد والمتابعة والتعاون، وذلك في تفصيل إعداد النظم واللوائح وسلطة تعديلها وسلطة التفتيش وفحص المستندات وتعيين ممثلين للسلطة الحاكمة في مجلس الإدارة وحل مجلس الإدارة وتعيين مجلس بديل وإدماج الجمعيات في بعضها البعض، وحرمان الجمعية من الانتساب إلى جمعيات أجنبية ومنع سفر الوفود إلى الخارج، وصولا إلى حق الجهة الإدارية في وقف تنفيذ وتغيير قرارات المنظمة أو الجمعية.

وضع القيود غير المناسبة في الأمور المالية الخاصة بالجمعيات مثل تقديم الميزانية والحساب الختامي السنوي للجهة الإدارية حتى في الحالات التي لا تسهم فيها الحكومة بدعم الجمعيات ماليا، وتشديد القيود على جمع التبرعات واستلام الهبات خاصة من الجهات الأجنبية.

فرض عقوبات جزائية قد تصل إلى حد الحكم بالسجن على القائمين بأمر الجمعية في حالة مخالفة القوانين الخاصة بالجمعيات.".

 لا تمنح القوانين الإنسانية الدولية الحماية اللازمة لنشاط وحرية الجمعيات في تحقيق أهدافها، ولا يوجد في العالم سوى وثيقة واحدة صادرة عن منظمة بين حكومية (المجلس الأوربي) تقر بشخصية حقوقية للجمعيات. فقد فشلت محاولة إعداد ميثاق عالمي خاص بالجمعيات في الأمم المتحدة عام 1956. في حين لم يصدق على المعاهدة 124 الصادرة عن المجلس الأوربي في 24 أبريل (نيسان) 1986 إلى اليوم سوى ست دول أوربية؟ ويمكن القول أن مصطلح منظمة غير حكومية يدخل الألف الثالث للميلاد وهو في حالة جنينية رغم ثورته الهائلة كما ونوعا في مصير المجتمع البشري في القرن العشرين. فهو يستعمل في الخطاب اليومي والصحفي بل والدبلوماسي أكثر منه في الخطاب القانوني. وقد تعرض في أكثر من 16 دولة إلى انتكاسات في السنين الخمس الأخيرة من القرن العشرين.

اعتبر التضامن بين المنظمات غير الحكومية في أوربة من عاديات الأمور، ويشمل هذا التضامن التعبيرات المادية والمعنوية المختلفة. وقد نجحت الجمعيات الأهلية في اقتطاع حصة لها من المال العام للمحافظات واللانده والإدارات المحلية (بحسب التسميات في البلدان الأوربية). كذلك شكلت معظم الأحزاب الكبيرة مؤسسات حولها تدور في فلك الخطوط العامة للحزب وتحافظ على اقتراب أكثر من مبادئه المعلنة وابتعاد عن ممارساته السياسوية اليومية.

 الحكومي وغير الحكومي:

لتحديد طبيعة العلاقة بين الحكومي وغير الحكومي، سنعمد لأخذ مثل عياني من دولة أوربية عريقة في الاثنين، أي دور السلطة التنفيذية في الشأن العام من جهة وتأثير المجتمع المدني في صناع القرار السياسيين من جهة ثانية ونقصد الجمهورية الفرنسية.

تأخذ العلاقة بين المنظمة غير الحكومية والمؤسسات الحكومية عدة أشكال سنحاول أن نبدأ هنا من الخارجي للداخلي:

تشكل في باريس، بقرار صدر في 17 مارس 1947، اللجنة الاستشارية لحقوق الإنسان، كشكل من أشكال التشاور بين الحكومي وغير الحكومي والتواصل بين السياسة الخارجية والمجتمع المدني. ولم تأخذ هذه اللجنة الاستشارية دورا اعتباريا حتى حكومة بيير موروا الاشتراكية في 1984 حيث تعدلت صلاحياته وعناصر تكوينه. فصار يمثل عضوا من مجلس النواب وآخر من مجلس الشيوخ وممثلون عن الوزارات المعنية وأشخاص تتم تسميتهم من النقابات الكبرى ومنظمات حقوق الإنسان الفرنسية والدولية. وقد سعت اللجنة لمساعدة وزارة الخارجية ورئاسة الوزراء في تقديم وجهات نظر حول كل ما يتعلق بنشاط فرنسا في ميادين حقوق الإنسان وفي الاتفاقيات والمباحثات الثنائية والدولية. وهذه اللجنة تساعد في تحديد سياسات تتعلق بالدعم والمناصرة في قضايا حقوق الإنسان وترشح مع الخارجية أشخاصا من المجتمعات المدنية في العالم لجائزة رئيس الجمهورية لحقوق الإنسان وتسمع صوتها في القضايا الحساسة المثارة على الصعيد الوطني. 

بعد آخر حرب استعمارية لفرنسا وقبل أحداث 1968، استحدث في هذا البلد بعثة الاتصال مع المنظمات غير الحكومية في وزارة الخارجية. واعتبرت هذه البعثة قناة اتصال أساسية للمنظمات الدولية غير الحكومية للتعريف عن نفسها وإسماع صوتها عند السلطات العامة، وقد عهد لهذه البعثة بثلاث مهمات:

جمع المعلومات حول حركة الجمعيات الفرنسية والدولية

التعاون الإداري

التشاور حول المشكلات ذات المصلحة المشتركة.

 انعكس وجود الحزب الاشتراكي فترة أكثر من عقدين خارج السلطة على علاقته بالمجتمع المدني والمنظمات الإنسانية حيث عزز نشاطه في صفوفها بشكل كبير وكان بعضها يمنحه التواصل مع الدم الجديد من الشبيبة أو البعد الأخلاقي الذي يحتاج إليه باعتباره كحزب سلطة أو مشروع سلطة، مضطر لخطاب سياسي يسمى في الأدبيات الحكومية بالمسؤول والرزين. ولا شك أن وصول الرئيس فرانسوا ميتيران للحكم في 1981  أثر كثيرا بالمعنيين السلبي والإيجابي، فمن جهة استفادت الحكومة الجديدة من وجوه اعتبارية هامة أنتجها المجتمع المدني أو تكونت في الرابطة الفرنسية لحقوق الإنسان، ومن جهة ثانية، حاول الحزب الاشتراكي تحييد أو كسب تأييد المنظمات التي كان له فيه تواجد هام. الأمر الذي خلق فترة اضطراب في العديد منها. وأضعف مكانتها المجتمعية في لحظات التراجع عن الوعود الانتخابية. وقد سعى الحزب لخلق منظمات قريبة مستفيدا من إمكانيات السلطة الإعلامية والمالية في فترة إعادة تكوين وسائل الإعلام وولادة جيل جديد من المنظمات غير الحكومية تهتم بالمشكلات التي عرفتها أوربة في نهاية القرن العشرين كالتلوث البيئي والتسلح الفائق وأزمات البطالة ونشوء العمل المؤقت وأزمة السكن ومشكلات قوة العمل المهاجرة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية. وفي سبيل تنظيم المستطاع، كان هناك لقاءات دورية بين وزارة الداخلية والمنظمات غير الحكومية الحقوقية الكبيرة، كذلك سعت الحكومات المتتالية من اليسار واليمين منذ مطلع الثمانينات لتشكيل  وزارة أو سكرتارية دولة تعنى بشؤون العمل الإنساني أو الطوارئ أو حقوق الإنسان أو حقوق الجماعات المستضعفة. هذا بالإضافة لدور هام بدأت المنظمات غير الحكومية تحتله في الانتخابات البلدية والمحلية والأوربية حيث أصبح من علامات حسن السلوك لحزب سياسي أن يضع في مقدمة قائمته الانتخابية رموزا اعتبارية من المجتمع المدني.

إن كانت التنظيمات غير الحكومية قد نجحت في أن تصبح جزءا أساسيا من جغرافية التأمل والممارسة على صعيد المجالس المحلية والمحافظات، فالسلطة التنفيذية لم تحقق التواصل الأنجع بأساليبها المتبعة حتى الآن. ولم تكن العلاقة بين الحكومي وغير الحكومي من الأمثلة الناجحة في التجربة الفرنسية، بل على العكس، يمكن القول في أكثر من تجربة، أن علينا عدم الاقتداء بالنموذج الفرنسي في العقدين الأخيرين من القرن الماضي. فمن جهة، ثمة محاولات واضحة باستمرار لزج غير الحكومي في معارك تنسجم مع السياسة الحكومية (مثل النشاطات الفرانكوفونية على اختلافها خير دليل على ذلك). ومن جهة أخرى، تمارس الأطراف الحكومية والحزبية باستمرار سياسة إنتاج منظمات (غير حكومية) لأغراض معينة في ظروف محددة الأمر الذي يزرع الشك بغيرها خاصة عندما تكون هناك تقاطعات موضوعية (كالموقف من حرب العراق مثلا)، وأخيرا لم يشعر الطرف الحكومي باستمرار بالالتزام الاعتباري باستشارة الآخر وأخذ رأيه بعين الاعتبار، نذّكر بأن وزير الداخلية جان بيير شوفنمان، قد رفض مراسلة المنظمات غير الحكومية لحقوق الإنسان لفترة طويلة أثناء استلام حقيبته بقرار فردي لأن إحدى المنظمات نشرت تقريرا عن العنصرية والتجاوزات القضائية في البوليس ولأن أخرى انتقدت أصوليته العلمانية في التعامل مع الملف الإسلامي. وأن الحكومة الفرنسية قد تعاملت مع ما يعرف بملف مكافحة الإرهاب بتجاوزات عديدة وإجراءات خلقت جوا من غياب الثقة في الأوساط العربية والإسلامية المستقلة.

لا يعني هذا الأنموذج غياب قواعد مسلكية وأخلاقية ضرورية للتعامل بين الحكومي وغير الحكومي تتلخص برأينا في:

لكي نتعاون، ومن أجل تعاون يخدم الإنسانية وينسجم مع القيم التي نؤمن بها، علينا أن نحدد التخوم بيننا بدقة ووضوح. المنظمة غير الحكومية ليست مشروع سلطة ولا تريد الممارسة المباشرة للسلطة السياسية ولكنها ليست طرفا محايدا متفرجا في قضايا الشأن العام. وهي بقدر ما ترفض رغبة الآخر في السيطرة عليها، تعيش مشكلة دائمة بين رغبتها المعلنة في وضع السلطة السياسية على "السكة الفاضلة" في وقف انتهاكات حقوق الإنسان أو بناء مدارس كافية لمحو الأمية أو تأمين العلاج المجاني للمحتاجين ومطالبتها بالحريات الأساسية وقيام دولة مواطنة ومؤسسات، وتقاطع هذه الرغبة مع التعبيرات السياسية الأقرب لبرنامجها. الأمر الذي لا يشكل لها عقدة ذنب، فليس سرا أن ثقة المجتمع بها  عنصر أساسي يعطيها القيمة الاعتبارية والقدرة على التأثير وأن تكوينها لجماعات ضغط  عنصر آخر ضروري لتحول برنامجها، أو جزء منه، إلى قوة مادية، من هنا لا حرج في أن تتعاون مع كل الأطراف التي تعمل لنفس المبادئ وبشكل علني وشفاف. الأمر الذي نراه في المعارك المشتركة بين مناهضي الاستبداد والمدافعين عن حقوق الإنسان.

كل تقاطع مع الحكومي يتطلب درجة عالية من الوضوح والشفافية ورفض الأساليب الملتوية والسرية ورفض منهج الوصاية. لنأخذ على سبيل المثل جمعية تدافع عن سجناء غوانتانامو ورغبة لحكومة بلد معني بالموضوع في الدفاع عن مواطنيه. بالتأكيد سيكون هناك تقاطعات وأشكال للتعاون، ولكن من المستحيل أن تقبل الجمعية بالاعتبارات التي تخضع لها الحكومة عند تحركها وصمتها بل وأحيانا تواطئها.

في الدول التسلطية، ومن حيث المبدأ، يرفض أي تنسيق مع أجهزة الأمن أو المخابرات أو القضاء الحزبي أو العقائدي لأن مهمة أي منظمة غير حكومية دعم فكرة دولة القانون، سواء كان ذلك في برنامجها أو لم يكن. فهي شرعية من اللحظة التي تمثل فيها قضية سلمية لثلاثة أشخاص وأكثر، ودورها ممارسة حقها في النضال لا المطالبة به، وهي جزء أساسي في عملية بناء النسيج المدني في المجتمع، وهي بطبيعتها ونشاطها، وسيلة من وسائل تحديد التعسف وتقييده. من هنا لا بد من أن تكون واضحة في علاقتها بكل أجهزة التعسف الخارجة عن مفهوم دولة القانون. للأسف هناك أشخاص يدافعون عن فكرة تقول بأن من الأجدى الحوار مع السلطة الفعلية لا السلطة الشكلية التي قدمتها واجهة لها. نحن نعتقد أن هذه الطريقة في التفكير تحطم مقومات ولادة دولة قانون جديرة بالاسم. من الضروري تذكير من يتذرع بالخطر الخارجي لممارسات كهذه أن نؤكد على أن التسلط هو الخطر الأكبر على أمن الدولة ومفهوم السيادة.

المنظمة غير الحكومية شأن عام وبالتالي لها حصتها الطبيعية في المال العام. وهذه ليست منة حكومية أو مساعدة، ويجب أن تتوزع الحصص للجمعيات الأهلية وفقا للنشاطات والكفاءات بعيدا عن المحسوبية والولاء والمراضاة.

تأثير الزمان والمكان على الأفراد والمنظمات

لا نريد أن ندخل في التبسيط التفاؤلي الذي يجعل من الدياسبورا والداخل عنصرين متكاملين متناغمين يرفد أحدهما الآخر بالقوة والمعرفة والشحنات النضالية اللازمة. فالذي يعيش في الخارج، شاء أم أبى، يقوم بإعادة تكوين العناصر المؤثرة في الموقف السياسي والحقوقي وجدول الأولويات. ومهما كانت التقاطعات النظرية والسياسية، فإن المكان والزمان كلاهما يقوم بخلق فجوة غير متساوية تعبّر عن تباينات في الرؤى والتحليل وآفاق العمل تترك آثارها سلبا أو إيجابا على المنظمات المتواجدة في المنفى. ولعل من أكثر المفارقات الإنسانية أن الاتجاهات الأكثر تصلبا ودوغمائية هي الأقل تأثرا بعاملي الزمان والمكان وبالتالي هي التي تعيش بشكل أقل إشكالية التواجد الجغرافي. إلا أن هذه الإشكالية غالبا ما تعزلها عن محيطها في الداخل والخارج.

 لتوضيح تأثير الزمان والمكان، سآخذ بعض أمثلة فاقعة ولو أنها لا تعكس بالضرورة القواعد العامة التي نلاحظها يوميا :

المثل الأول من تركيا، حيث تصاعدت مع وصول أتاتورك للسلطة ونهاية الخلافة العثمانية نزعة قومية تركية تركت آثارها على العاملين في حقوق الإنسان بشكل واضح. من جهة، كان من الصعب مثلا على المنظمات التركية الاعتراف بالمذابح الجماعية ضد الشعب الأرمني لأسباب مرتبطة بعقوبات قانونية مباشرة، في حين وضعت عدة منظمات دولية هذا الاعتراف شرطا لقبول انتساب أية منظمة تركية. حتى في صفوف الأتراك، كان اللاجئ السياسي التقدمي في أوربة في الستينات يقبل بسهولة هذه الفكرة في حين أن لا حزبه السياسي ولا الجمعية الثقافية والحقوقية التي ينتمي إليها كانت تقبل بذلك. تتوضح المشكلة بشكل أكبر في القضية الكردية، حيث أن أي استعمال لتعبير كردستان تركيا يوجب العقاب القانوني، في حين كان الأكراد في أوربة قد تجاوزوا هذا النقطة في أدبياتهم ونشاطاتهم وبرنامجهم.

المثل الثاني من السودان: ففي حين نجد سهولة في الحديث عن المقاومة بما فيها المسلحة في صفوف المعارضة السياسية في الخارج، نجد هذه المسألة غائبة في الخطاب السياسي في الداخل. والسبب معروف من حيث النتائج المباشرة لأي تبن لأطروحات عنفية.

المثل الثالث من الجزائر: حين طرحت فكرة لجنة تحقيق دولية من قبل المنظمات الدولية وعدد من الجزائريين في الخارج، وجدنا خطابا أقرب للعقلية الجزائرية لا يتعارض مع هذا المبدأ في الداخل. فقد طالبت الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان بتشكيل لجنة وطنية دولية للتحقيق، كذلك تبنت اللجنة العربية لحقوق الإنسان باقتراح من نائب رئيسها وقتئذ محمود الخليلي فكرة تشكيل لجنة عربية-إفريقية مستقلة للتحقيق. في الاقتراحين الأخيرين تم الرد على الخطاب القومجي المزاود للسلطة الجزائرية التي سعت لجعل قضية اللجنة المستقلة للتحقيق تدخلا في الشؤون الجزائرية الداخلية.

يعطي المثل العراقي فكرة عن اختلاف الحساسيات بين الداخل والخارج. وحتى لا نقع في إشكالية الصراع بين المنظمات سنتحدث عن الحساسيات على الصعيد الفردي. فعند اللقاء بجامعيين مستقلين عن حزب البعث والسلطة في العراق من الداخل نلاحظ إعطاء أهمية أكبر لرفع الحصار كمأساة يومية يعيشها شعب العراق بكل فئاته. فهو يعتبر الحصار مأساة أوجدت جيلا جديدا محروما من أية آفاق بل ويتحدث عن حالة استلاب عامة نتيجة ارتهان الأساسيات المعاشية بسلطة لا يجد فيها المعبر عن كيانه. في المحصلة يشك في كل شئ كون الحصار يناله ولا ينال السلطة التي كانت السبب المعلن له. لا نجد نفس الأهمية لموضوع الحصار إلا عند القوى ذات الجذور الفعلية في المجتمع والحريصة على استمرارية مع الهم المجتمعي. في حين هناك فئة من المعارضين تستمد هالتها السياسية والثقافية في الغرب من إصرارها على بقاء الحصار حتى سقوط النظام القائم في العراق رغم الثمن الباهظ الذي يدفعه أبناء المجتمع العراقي.

يمكننا، قبل الدخول في التحليل المباشر من وجهة النظر الحقوقية والسياسية أن نسعى لمقاربة اجتماعية-نفسية تلقي الضوء على ثلاثة أسباب ذات دور فاعل في تكوين الاهتمامات العامة للأشخاص:

السبب الأول يعود لما يمكن تسميته بمنطق المرجعية   LA LOGIQUE DE REFERENCE

السبب الثاني عائد لما نسميه منطق الاختلافات LA LOGIQUE DE DIFFERENCE

أما السبب الثالث فيمكن أن  نطلق عليه تسمية حقل النظر LE CHAMPS DE LA VISION 

 منطق المرجعية   LA LOGIQUE DE REFERENCE

يتكون منطق المرجعية للأفراد من التأثيرات المتعلقة بالمحيط المباشر والتأثيرات المهنية والتأثيرات المرتبطة بالالتزام الجماعي بالشأن العام.

أما المحيط المباشر، فنعني به العائلة والجيران والصداقات القريبة. ومن المعروف كم أثرت الغربة في تمزيق عدة وحدات عائلية بسبب تغيير الظروف الاجتماعية-النفسية والظروف المادية للأشخاص. كذلك نعرف مدى تأثير وضع الجيل الثاني الذي ينمو ويترعرع في الهجرة على قرار الأهل في العودة في حال وجود تغيير سياسي في البلاد. كل واحد منا يجد حوله عدة حالات تمزق عائلية بسبب قرار العودة للأب ورفض الأم العودة حرصا على بقائها مع أطفالها المستقرين في الخارج. كذلك رفض العديد من النساء العودة بسبب ما يعتبرنه مكاسب أساسية يتمتعن بها في البلدان الغربية وسيحرمن منها بمجرد العودة. وما أعمق الجملة التي نسمعها من أبناء اللاجئين السياسيين عندما يقولون "لم تقطع صلاتنا الفيزيائية بالوطن فحسب، بل حتى نحرم من حق إعطاء شهادة حية عما يجري في بلدنا بسبب المنفى الإجباري الذي يشمل الطفل كما يشمل المناضل".

 كل هذه القضايا تترك آثارها على المناضل والمناضلة وعلى مدى وشكل وطبيعة التزام الأشخاص بقضية الدفاع عن حقوق الإنسان في الوطن وقرار العودة من جهة، ومن جهة ثانية فهي تؤثر على نظرة الشخص لدوره داخل وطنه. فمادام هذا الدور غير متبلور في الذهن وغير واضح، وما زال موضوع التغيير والعودة غير قابل لأية أجندة عقلانية، فإن المؤقت يصبح عنصرا سلبيا في التعامل مع موضوع العودة وفكرة التغيير في الوطن في مواقف رد فعلية أحيانا أو متطرفة أحيانا أخرى. وقد عبرت لاجئة سياسية يوما عن أزمة الوقت هذه بالقول: "كنت أطمح للعودة  قبل أن تكبر بناتي ويتزوجن من غربيين، وعندما تزوجت الأولى صار طموحي العودة قبل زواج الاثنتين الباقيتين، وبعد زواج بناتي، بل يوم صرت جدة، شعرت بأن هناك خيانة ما قد دخلت حيز علاقتي بالوطن. لست خائنة، كما أن شعبي لم يكن خائنا، ولكن الظروف الجديدة لم تعد تسمح لنا بأن نترك العائلة الخاصة ونحن لا نملك أي مستقبل معقلن للعودة إلى بلادنا، هذا إذا ذهبت الدكتاتورية. أما اليوم، فلا أدري إن كان جيل التغيير سيتذكرنا أو سيتعامل معنا كجزء من هذا التغيير. لقد تغير مفهومي للالتزام بالوطن بشكل كبير وليس بإمكاني أن أحدد إن كان ذلك سلبيا أم إيجابيا".

بعد ذلك تأتي المسألة المهنية والمعاشية وما تتركه من آثار على الأشخاص. فالعديد من الأنظمة العربية متربع في السلطة منذ أكثر من عشرة أعوام. وفي المثلين السوري والعراقي، هناك حالات إبعاد ونفي عمرها أكثر من ثلاثين عاما. كما أن العديد من المناضلين لا يملكون أكثر من سنة خدمة أو سنتين في بلدانهم وكانت حياتهم المهنية في الخارج. بالتالي، فإن طرح موضوع العودة يتطلب قرارا يسوعيا عند شخص لم يبق له قبل الإحالة على التقاعد سوى خمس سنوات خدمة في حين لا يوجد حتى عمل مضمون له في وطنه. إن تأكيدنا على دخول الهجرة في الوظيفة والتركيب العام للأشخاص لا ينطلق فقط من كون الإنسان يتأثر بالظروف المادية التي يعيشها، ولكن أيضا لكونه كائن اجتماعي. وبالتالي فهو يكّون مراجعه الفكرية والنفسية من هذا الوجود الاجتماعي. ومهما كان الاهتمام بالوطن الأصل والمتابعة للتفاصيل السياسية فيه، ليس بالإمكان تتبع أسعار الخضار واللحوم بنفس الطريقة بين البلد الأصلي وبلد الاستقبال خاصة من قبل اللاجئ السياسي المحروم من العودة وبالتالي المحكوم عليه بالتعامل مع البلد عبر الشهادات البشرية والإعلام والوثائق. وبنسبة كبيرة عند المقطوعين عن الوطن، نجد أنهم يعرفون أسماء وزراء بلد الضيافة أكثر من  معرفتهم بوزراء بلد الأصل وقد بنوا جسورا مع نواب ومسؤولين في بلد الضيافة في حين وصل أشخاص كثر لمجلس الشعب في بلدهم وغادروه ولم يعلموا بأمرهم. فكيف إذا أصبح الحديث على صعيد الإدارات المحلية والمؤسسات الأقل أهمية ؟

منطق الاختلافات LA LOGIQUE DE DIFFERENCE

إن أي اختلاف تكويني عند الأفراد والجماعات يترك أثره على التكوين الذهني والمواقف النضالية للبشر. وعندما نتحدث عن منطق الاختلاف يبدأ ذلك بالنظرة للعلاقة بين الرجل والمرأة  وينتهي في النظرة إلى العشائرية والطائفية والجهوية في العمل السياسي والحقوقي. فالاندماج في مجتمع نسبة التفريد فيه عالية  يقلل من الإحساس بضرورة التضامن العائلي، والعيش في مجتمع غني بالنشاطات المدنية والثقافية لا يقلل من الوقت الحر المخصص للبلد الأصل وحسب، وإنما يعطي مرجعية مختلفة للعمل العام تثمن الإمكانيات الفردية والكفاءات وتهّزل الأنموذج القائم على المحسوبيات. تبرز هذه المشكلة بشكل أوضح عند الجيل الثاني الذي لا يفهم منطق الاختلاف بين بلد أهله وبلد نشأته خاصة في المواضيع غير العقلانية. أعطي مثل ابنتي التي لا تستوعب بسهولة الأنموذج التسلطي في سورية ونتائجه على حياتنا، ويصعب علي أن أشرح لها دوافع السلطة  لحرمان أمي وأبي من السفر بسبب نشاطاتي. قصة أخرى حدثت معي قبل 4 سنوات عند عدم تمكن زميلة لنا من مغادرة بلدها لإضاعتها جواز السفر. سألني شاب من الجيل الثاني: لماذا لم تحضر، فقلت له زوجها مسافر وقد أضاعت جواز السفر، فكان جوابه الاستنكاري: من يعطي  جوازات السفر الدولة أم الزوج؟

قلة من المهاجرات والمنفيات يقبلن بمنطق ارتباط جواز السفر بالزوج. في حين كانت معركة النساء للحصول على هذا الحق في مصر شاقة وطويلة.

حقل النظر LE CHAMPS DE LA VISION

في حين تعطي المعايشة اليومية لأبناء الداخل امتياز التفاعل المباشر مع المجتمع، تعطي النظرة من الخارج امتيازا للمنفيين عبر السماح لهم بالنظر من خارج الأوضاع مع امتلاك البعد الضروري للتأمل والنقد.

فالاندماج في التفاصيل اليومية والهموم الصغيرة والكبيرة يضعف الجانب الاستراتيجي أو يقلل من أهميته عند الأغلبية، في حين أن تركيز الاهتمام على بلد من خارجها مع امتياز التعامل مع الوقت بشكل معقلن يعطي أبناء المنفى القدرة على لعب دور المراقب المنتمي والملتزم ببلده. هذا الامتياز يكمل ويساعد على إنضاج الرؤى السياسية والحقوقية في بلد النشأة. ويلاحظ بشكل عام أن المنفى يعزز المتابعة الإقليمية والدولية ويدخلها بشكل قوي في التحليل الجيو سياسي، في حين يؤكد الداخل أكثر على العوامل المحلية. يمكن القول بشكل عام  أن التواجد خارج الوطن يجعل التحليل يجنح أكثر للرؤية الاستراتيجية العمومية (ماكرو) منه إلى النظرة المجهرية التفصيلية (ميكرو).

بعكس التيار العام لعولمة الأشياء والعلاقات والمؤسسات، نجد وسائل الاتصال الحديثة تخلق نوعا من المقاومة للاندماج عبر السماح بمتابعة البلد الأصلي ليس فقط عبر صحيفة نشتريها من وقت لآخر، وإنما عبر الفضائيات التي تشكل جسرا ثقافيا في غاية الأهمية. وبعد أن كان صوتنا مقطوعا عن العامة في بلداننا، أصبح بإمكاننا التواصل مع مجتمعاتنا مع كسر احتكار الدولة للوسيلة الأكثر تواصلا بالناس (التلفزيون). وأصبح بإمكان الداخل أن يسمع صوت الخارج وأن يتفاعل معه.

إن جملة هذه العوامل لا يمكن التعامل معها بشكل ميكانيكي، بل هي ظواهر عامة غالبة. وبالتأكيد فإن هناك عوامل أساسية تلعب دورها فيما ذكرنا مثل الدور السياسي أو الحقوقي (فالعنصر القيادي يتعامل مع موضوع العودة بشكل مختلف عن العضو العامل في حزب، والأعزب يختلف عن المتزوج، والنجاح المهني في الخارج لا يعطي رد الفعل نفسه في حال الفشل المهني، ووجود الأطفال أو عدمه عامل مؤثر في الحكة والثبات في المهاجر، كما يؤثر الزواج المختلط بشكل كبير في الانخراط). كذلك لا يجوز الاكتفاء في التعامل معها بالجانب النشاطي والتعبوي. فهي مشكلات ذات تأثير هام وعميق وتحتاج إلى إنضاج ثقافة تجمع ما بين اكتشاف نقاط القوة في الحضارتين العربية والغربية وتحويل الهجرة إلى تربة خصبة لبناء شخصية دينامية خلاقة تترك آثارها على الذات والآخر.

من الضروري لتخفيف الهوة بين الداخل والخارج وتقوية الالتزام بقضية حقوق الإنسان في العالم العربي الإقرار بأهمية حق الاختلاف بين المنظمات والأفراد وداخل المنظمة نفسها. فوحده هذا الحق يحوّل التباين في وجهات النظر إلى قوة بناء تعزز البنيان الجمعي. والإقرار بحق الاختلاف يعني أيضا دمقرطة العلاقات الداخلية في المنظمات غير الحكومية وتعزيز دور الأشخاص عبر الاستفادة من كفاءاتهم. فليس هناك من شكل نمطي نموذجي ولم تثبت الأيام قوة وفعالية علاج سحري في التعامل بين الداخل والخارج. لا يمكن تحويل الاختلاف في الحساسيات إلى قوة إذا لم نتحرر من قداسة الرؤية الأحادية للنضال والتغيير.

في مقدمته لكتاب الأرواح الحائرة لنسيب عريضة (طبعة نيويورك الأولى) كتب حبيب إبراهيم في 1946 عن الروح الخلاقة المستقبلية عند المهاجر الذي يرفض أية مكانة دونية وينظر للمستقبل كصناعة مشتركة بين كل البشر دون تمييز إلى قوله:  "سيأتي جيل تتوحد فيه الثقافة ويتجلى الأدب العالمي على منصته الرفيعة لأول مرة في التاريخ. عندئذ سيعلم الذين يخلفوننا، أن الأدب الحقيقي لا يحد بالمناطق، وأن الشعر الصحيح لا يعرف باللغة الذي أنشد فيها. عندئذ سيذكر العالم بكثير من الإعجاب والاستغراب أن بلابل الشعر قد صدحت بنغم لم يسمع أعذب منه بينما لم يتمتع به إلا عدد ضئيل ممن أتيحت لهم معرفة اللغة التي ينطق بها ذلك الشعب. عندئذ يأتي نسيب عريضة وإيليا أبو ماضي ورشيد أيوب وغيرهم من شعرائنا العرب المهاجرين في ملكوتهم إذ يصبح ملكوتهم إرثا للجميع وتباح خزائن الأدب والفن في كل لسان لكل إنسان".

هذا الطموح الذي زرع واحدة من أجمل مدارس الأدب في العالم يحذونا لنأخذ مكاننا الضروري في بناء مدرسة أصيلة وخلاقة عربية الإطار عالمية المضمون إنسانية الروح تحّول سلبيات وصعوبات المنفى إلى محرك للكفاءات والإمكانيات المهدورة بين تهميش الوطن وتهميش الغربة.

الاختصاص القضائي العالمي والمحكمة الجنائية الدولية

 حدود وآفاق

 هل يمكن فعلا الانتقال من مهمة الوصف والشجب في عالم حقوق الإنسان إلى المحاسبة الفعلية على الأقل في الجرائم الكبرى والجسيمة والمنهجية؟ لعل هذا هو التحدي الأكبر أمام المنظمات غير الحكومية لحقوق الإنسان في القرن الواحد والعشرين.

وحتى لا تكون مهمتنا بيع الوهم لا بد من الإشارة لمعطيات أساسية:

أولها: أن المنظومة العالمية لحماية حقوق الإنسان هي انعكاس حي لموازين القوى على الصعيد العالمي. وهي بناء أشادته الدول والهيئات بين الحكومية ولكنه أيضا كالطفل منذ يخرج من بيت أهله يتوقف عن أن يكون ملكا حصريا لتصورهم للعالم.

ثانيها أن غاية القانون الإنساني الدولي ليست تحديد المسؤول أو الضحية وإنما احترام القوانين والقواعد في زمن الحرب. ومن هنا رفض مسؤولي الصليب الأحمر الدوليCICR التدخل في موضوع غياب المحاسبة Impunity.

ثالثا أن هناك هيئات اعتبارية وهيئات ملزمة: مثلا المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان والمحكمة الأمريكية والمحكمة الجنائية الدولية  ذات طابع قضائي إلزامي. في حين أن المفوضية العليا لحقوق الإنسان لا ترقى مستوى المحاسبة القانونية ودورها لا يتعدى المحاسبة الاعتبارية.

وأخيرا ليس علينا أن ننسى أنه حتى على الصعيد القانوني عندما يتعلق الأمر بمجلس الأمن من المعروف أن التزامات الدول ليست ذات طابع متساو. وأن نضع نصب أعيننا أن الملفات الأكثر صعوبة للمدافع عن حقوق الإنسان ليست متعلقة بتوفر أو عدم توفر الأدلة وحسب، وإنما في وجود عدو ذكي ودينامي وقوي في المؤسسات الدولية وفي آليات التدخل وفي الرأي العام، أو أن يكون المنتصر غير حريص على احترام المنظومة الدولية لحماية حقوق الإنسان.

بالنسبة لنا كلجنة عربية لحقوق الإنسان، وبصراحة، نحن نعتقد أن من لم يستوعب بعد زلزال سبتمبر ومجزرة جنين، غير قادر على مواجهة المرحلة الجديدة التي نعيشها أو التصدي مثلا للجرائم الصهيونية بالطرق التقليدية (مداخلات مكتوبة تقدم للجنة حقوق الإنسان، بيانات مشتركة إقليمية ودولية إلخ. هذه الطرق لا تتعدى المقبلات في العمل النضالي اليوم)

لقد انتهى كما سبق وأشرت عصر الشجب وبدأ عصر المحاسبة. وهذه المحاسبة متعددة التوجهات ومتعددة النتائج. وعلى ثلاث جبهات:

الأولى: جبهة الاختصاص القضائي العالمي: تأسس هذا الاختصاص من إرادة الدول والقانون العرفي الدولي الواجب احترامه دون معاهدة أو موافقة مسبقة لكل دولة ويمكن لكل دولة تحديد طبيعته ولكن لا يمكنها إلغاؤه. وهو يعني حق القاضي في قبول القضايا المرتكبة خارج إقليم سيادته ولو كان ذلك من طرف أجانب وضد أجانب في كل ما يتعلق بالجرائم الكبرى مثل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجريمة الإبادة الجماعية وجريمة التعذيب. باعتبار المادة الثالثة المشتركة لاتفاقيات جنيف الرابعة تمنع المساس ببعض الحقوق في كل مكان وفي كل زمان وكذلك لا يمكن تعطيل النواة الصلبة للحقوق الثابتة في العهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

أسست إتفاقيات جنيف الأربعة لسنة 1949 لهذا المبدأ بحيث أنها تلزم الدول الأطراف بأخذ التدابير التشريعية اللازمة لوصف جرائم الحرب ومتابعة مجرمي الحرب.

 وتنص الفقرة الأولى من المواد 49 و 50 و 129 و 146 من الاتفاقيات الأربعة ما يلي :

 “تلتزم الدول المتعاقدة بأخذ التدابير التشريعية اللازمة من أجل تحديد العقوبات المستحقة على الأشخاص الذين يرتكبون أو يأمرون بارتكاب إحدى الجرائم الخطيرة وفق التعريف الوارد في المادة الآتية من الاتفاقية الحالية”.

تبيّن هذه الفقرة  الاختصاص العالمي في جانبه المادي (ratione materiae) ومعناه أنه على التشريع الوطني إدانة  الجرائم التي تعرّفها قائمة جرائم الحرب التي تشترك صيغتها في المواد 50 و 51 و 130 و 147 من إتفاقيات جنيف وأيضا المادتين 11 و 85 من البروتوكول الأول المتعلق بالنزاعات الحربية الدولية ويجب إضافة نفس الخروقات أي الجرائم التي يسردها البروتوكول الثاني المتعلق بالنزاعات المسلحة الداخلية. وعند ارتكاب هذا النوع من الإجرام يتعّين على الدول الأطراف القيام بما يلي :

 “تلتزم كل دولة طرف في الاتفاقية بملاحقة المشتبه فيهم بارتكاب أو بإعطاء الأوامر لارتكاب إحدى الجرائم الخطيرة المذكورة ومحاكمتهم أمام القضاء المحلي مهما كانت جنسية المجني”.

زيادة على إتفاقيات جنيف الأربعة أصبحت جريمة التعذيب بذاتها موضوع الاتفاقية الدولية المؤرخة في 10 ديسمبر لسنة 1984 والتي تؤسّس هي الأخرى مبدأ الاختصاص القضائي العالمي. تلتزم الدول الاعضاء بإنشاء اختصاصها (مادة 5) وممارسته للملاحقة القضائية (مادة 6) والادانة (مادة 7) أو تسليم المشتبه فيه بارتكاب جريمة التعذيب للدولة التي تطالبه للتقاضي (مادة 8). تجبر الاتفاقية في مادتها 5-2 كل دولة طرف في الاتفاقية بالاختصاص “في حالة وجود المشتبه فيه في اقليم سيادتها”.

 وبالنظر لجريمة الابادة الجماعية محل اتفاقية الأمم المتحدة الدولية المؤرخة في 9 ديسمبر 1948 يبين اجتهاد محكمة العدل الدولية بلاهاي  حسب قرار 11 جويلية (تموز) 1996 أن :

 “الحقوق و الواجبات التي تبينها الاتفاقية لها طابع الاجبارية (erga omnes). تلاحض المحكمة أن التزام كل دولة علي تدارك و معاقبة جريمة الابادة الجماعية لا تحدّدها الاتفاقية بإقليم  معين وحينئذ يكون الاختصاص غير محدود بالسيادة.”

يذكر تقرير 19 جويلية 2000 الصادر عن السيد الأمين العام للأمم المتحدة و الذي تمت الموافقة عليه من طرف مجلس الأمن بقرار 1314 المؤرخ في 11 أغسطس 2000 أن مبدأ الاختصاص القضائي العالمي تم ترسيخه حيث جاء  فيه :  

 “نتيجة نمو حديث للقانون الدولي يحقّ  الآن للدول أن تمارس اختصاصها القضائي وفق القانون الدولي  ضد كل الأشخاص المشتبه فيهم بارتكاب جرائم خطيرة والموجودين على ترابها وذلك بغضّ النظر عن مكان ارتكاب الجريمة أو جنسية المجني أو المجني عليهم.”

وتقرّ الّلائحة الثانية  التي تعرف تحت اسم  "مبادئ التعاون الدولي من أجل كشف وقبض  وتسليم ومعاقبة الأشخاص الذين ارتكبوا جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية"   المبدأ القاعدي الآتي : 

"يجب أمام جرائم الحرب و الجرائم ضد الانسانية فتح تحقيق مهما كان موقع ارتكابها و زمانه و يجب متابعة و قبض و محاكمة كل من ثبتت ضدهم قرائن و يجب معاقبتهم اذا ثبتت إدانتهم" .

إذا كان هناك بالفعل محامين وقضاة عرب مناهضين للتطبيع فأفضل الطرق لمنع السلطات السياسية من التطبيع مع مجرمي الحرب هي إقامة دعاوى جنائية ضدهم عملا بالاختصاص القضائي العالمي وفي كل بلد عربي بحيث يكون النائب العام المصري أو التونسي أو المغربي ملزم بإصدار مذكرة توقيف بحق شارون أو بيريز إذا زارا هذه البلدان. ونحن نسعى للتحرك في هذا الإطار على الأقل في تونس ومصر ثم المغرب.

ويمكن القول أن عدم تأقلم التشريعات المحلية لا يجب أن يؤخر هكذا توجه خاصة والبلدان المذكورة تقر بعلوية superiority الالتزامات الدولية على القوانين المحلية.

المحكمة الجنائية الدولية:

ميزتها إعطاء تعريف متقدم للجرائم الكبرى وأهميتها الاعتبارية الكبيرة وأحكامها الجنائية الفعلية.

نقاط ضعفها أنها محكمة ثلاثية الأقدام: المدعي العام، المحامي ومجلس الأمن وبالتالي لدينا سنة  من النضال لشل البعد السياسي لفيتو من مجلس الأمن عبر تحريك الرأي العام العالمي.

لا تتناول الجرائم التي حدثت قبل دخولها حيز الوجود إلا إذا كانت جرائم مستمرة

أكثر من نصف الكرة الأرضية لم يصدق بعد على قيامها وبالتالي غير ملزم بتسليم من عنده أو التعاون معها (الولايات المتحدة وروسيا والصين وإسرائيل وأهم الدول العربية). ومن الضروري لملاحقة الجرائم التي سبقت قيامها التركيز على تقوية مفهوم الجريمة المستمرة وتطويره.

أخيرا، وكوسيلة ضغط مؤثرة على الأشكال القانونية الرسمية، نحن نرى ضرورة تأصيل تقليد إنشاء محاكم تقوم على مبادرات من المجتمع المدني على الصعيد العالمي كمحكمة راسل مثلا. وهذه المحاكم ليست ذات طابع قانوني ولكن أهميتها الاعتبارية تحدد من حرية استعمال الدول المنتصرة أو الأقوى  لإمكانيات شل الآليات الدولية للمحاسبة.

إذن، لتدشين مرحلة المحاسبة على الصعيد العالمي، نحن أمام معركة عقلانية طويلة النفس مكلفة في الجهد البشري والمالي ويجب أن تبقى خارج نطاق الحكومات ما أمكن.

أخيرا يجب التذكير أن إقامة الدعوى تتطلب وكالة قضائية من الضحية لمنظمة حقوق الإنسان لتتمكن من القيام بذلك. تتطلب تكاليف غير قليلة وتتطلب أيضا في كل الدول القابعة تحت دكتاتوريات تأمين الحماية لعائلات الضحايا التي تلجأ للمقاضاة باعتبارها تصبح رهائن ويمكن أن تكون نفسها ضحية جديدة لاعتداءات من نوع جديد.

 هيثم مناع

سلامة النفس والجسد في الثقافة العربية

 ينطلق كاتب السطور، في بحثه عن النويات الأولى للدفاع عن سلامة النفس والجسد في الثقافة العربية من منطلقين:

1- يرفض البحث إعطاء  الثقافة السائدة بطاقة حسن سلوك بامتياز سواء كان ذلك بالمعنى التاريخي أو المعرفي. وينطلق من أن الثقافات البشرية تتعايش في كل حقبة مع ثقافة مضادة أو ثقافات معارضة وأن لكل تراث تراث مضاد للتراث وأن النسبية الشاملة هي المعيار الرئيسي في كل دراسة موضوعها الثقافة.

2- يشكل النظم الثنائيl’ordre binaire قاسما ثقافيا مشتركا في الثقافات التي نعرفها. وما هو مهم، في هذه الثنائيات، هو الغنى الذي يقدمه الصراع بين العدل والظلم، المحاباة والمساواة ، الحرية والاستبداد، النزاهة والفساد، الخ. لذا ليس من المنطقي مثلا أن نظن بأن ثقافة حقبة محاكم التفتيش ثقافة أحادية، ولو أحرقت كتب الهراطقة واضطهدت الأحرار. على العكس من ذلك، فقد تأجج النهج القمعي لتلك الحقبة بذاك الخوف من تزعزع القيم الكنسية السائدة وظهور أفكار جديدة داخل وخارج جدران الاعتقاد المسيحي. وبهذا المعنى، كانت الثقافة العربية، ومازالت، مكونة من ثقافات متعددة تكتسب غناها من دينامية التعدد هذه وإن لم تكن عناصرها باستمرار في صراع متكافئ. فمناهضي الاعتداء على الجسد مثلا وإن برزوا منذ انطلاقة الإسلام، نجدهم أقلية في القانون والمعرفة  شعبية أو دينية أو حكمية  في عدة مراحل وممالك واتجاهات.

3- يمكن القول أن الدور المحدود لأنصار سلامة النفس والجسد يعود لأسباب ذاتية وموضوعية. فعلى الصعيد الذاتي، كان لفكرة العذاب في الديانات السماوية الثلاثة دورا هاما جعل من الصعب الخوض في هذا الموضوع دون التعرض للمحرم والمقدس. الأمر الذي جعل مناهضي التعذيب يتعرضون مباشرة لمواجهة مع المجتمع والسلطة الروحية والزمنية. أما على الصعيد الموضوعي، ليس بالإمكان الحديث عن الانتقال من التفرد والفرد إلى الشخص قبل القرنين الثامن والتاسع عشر، ليس فقط في الفعل السياسي وإنّما في المكانة المركزية التي أصبح يحتلّها في الثقافة والعلوم. فهو في" الفلسفة الكوجيتو الديكارتي" والذات المكونة للعالم في المدرسة المثالية وهو في علم النفس الموضوع الأوحد بما هو مواقف وتصرّفات وهو في علم الاجتماع جملة الوضعيات والأدوار ومنطلق ومركز العلاقات التي تشكّل المجتمع وهو في القانون موضوع الحقوق والواجبات وهو في السياسة المواطن والناخب وهو في الاقتصاد المنتج والمستهلك كما يذكر الصديق منصف المرزوقي في كتابنا الجماعي عن التعذيب في العالم العربي(1) .

 التعذيب في القرآن: الاستقراء الشكلي

يرفض الإسلام، كما هو حال اليهودية وإلى حد ما المسيحية، فكرة غياب المحاسبة. ويمكن القول أن كلمة التعذيب في الآخرة تؤسس للمحاسبة بالمعنى الكبير والواسع للكلمة. حيث لن يحاسب المرء عن موضوع أو قضية، بل عن سجل كامل يتناول وجوده الدنيوي بأكمله. وباعتبار الآخرة دار حساب، هناك العقوبة على ما ارتكب من جرائم وجنح وأخطاء. وقد ترافقت كلمة العذاب في القرآن بالغليظ والأليم والشديد والمقيم والمهين والسعير والعظيم في القضايا المركزية في الإسلام التي يختصرها القرآن بخمسة: الكفر والنفاق والظلم والفساد والاستكبار في الأرض. ومن الضروري التذكير بارتباط العذاب بالذنب. باعتبار أن المبدأ هو رفض فكرة العذاب فيما يتكرر في سور الصافات 59 والشعراء 138 وسبأ 35( وما نحن بمعذبين..) أو الأنفال (وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون). وبقدر ما نجد موضوع المحاسبة واضحا في الآخرة، بقدر ما تقل آيات تناول المحاسبة في الدنيا. ولعل النص المباشر الوحيد برأينا ما جاء في سورة فصلت 16 حيث يجري الحديث عن عقاب بالإعصار.

أما بالنسبة لسلامة النفس والجسد فهي مسألة مركزية في التعامل بين الآباء والأبناء والزوج والزوجة. نجد استثناء لها في حال المرأة حيث ورد ضربها في الآية 34 من سورة النساء بعد العظة والامتناع عن ممارسة الجنس على مبدأ آخر الدواء الكي: "فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن". وفي حين لا يوجد نص قرآني بالرجم، ثمة آيتين تنصان على الجلد إحداهما في حال الزنى والثانية في رمي المحصنات. وهناك نص قرآني في قطع يد السارق والسارقة وآخر في العقوبات الجسدية فيما يعرف بالحرابة أو الفساد في الأرض.

في حين تتحدد آيات سلامة الجسد بما سبق ذكره، نجد المشكلة أكثر تشابكا واتساعا في تراث الحديث. فمن جهة هناك زيادة في العقوبات الجسدية عبر أحاديث تروى عن النبي محمد ومن جهة أخرى هناك تحذيرات شتى من اللجوء السهل إلى أية عقوبة جسدية ويمكن القول دون خوف الوقوع في الخطأ أنه قد تم استعمال وتوظيف الحديث بشكل كبير سواء كان ذلك من قبل المتشددين في استعمال العقوبات الجسدية وتعذيب الإنسان للإنسان أو في رفض اللجوء إلى تعذيب النفس والجسد كطرف أو منظم للعلاقات بين الإنسانية.  ونأخذ على سبيل المثل بعض الأحاديث في مناهضة التعذيب وشجب الجلادين: "أول من يدخل النار يوم القيامة السواطون الذين يكون معهم الأسواط يضربون بها الناس بين يدي الظلمة"، أو حديث ابن عمر: "الجلاوزة والشرط كلاب النار يوم القيامة".

يحاول الهادي العلوي ربط سلوك الخلفاء تجاه التعذيب بقضية التزمت الديني معطيا المثل في غياب التعذيب في تجربة عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب لترجيحهما البعد الأخلاقي للتعامل السياسي على البعد القانوني القمعي ووجوده عند أبي بكر الصديق وعثمان بن عفان والمهدي. ويمكن القول أن رواد التسامح الديني في الإسلام كانوا باستمرار ضد التعذيب والإساءة لكرامة وسلامة الأشخاص بغض النظر عن معتقدهم. ولعل في مواقف أسماء كبيرة مثل الحسن البصري وصدر الدين الشيرازي وابن رشد من هذا الموضوع ما يعطي فكرة على أن الابتعاد عن السلطة السياسية كان أيضا من العوامل الأساسية في تحديد مواقع المفكرين الإسلاميين من طبيعة نظام العقوبات في الإسلام. وتؤكد المسيحية الشرقية على هذا البعد حيث نجد تراثا عفويا وفلسفيا مناهضا لفكرة الإساءة للجسد والروح لم يأخذ بعد حقه في التأريخ والتحليل.

في حين حاول العديد من المؤرخين التأريخ لما نسميه انتهاكات حقوق الإنسان في لغتنا المعاصرة عبر كتب "المحن" فقد اشترط السخاوي في "الإعلان بالتوبيخ" على المؤرخ أن يتحرج عن رواية أخبار التعذيب إلا ما يضطر لإيراده وإن أمكنه الإشعار بما يقتضي الإنكار فعل حتى لا يكون ذلك تطرقا لمن يروم فعل مثله وحجة يحتج بها ثم أورد: "قال الحجاج لأنس بن مالك: حدثني بأشد عقوبة عاقب بها النبي، فحدثه بها. فلما بلغ الحسن البصري ذلك قال: "وددت أنه لم يحدثه" (عن حقوق الإنسان في الثقافة العربية الإسلامية).

 من النص إلى العقوبة

يحاول البعض تقديم صورة مبسطة بل وساذجة عن تطبيق قانون العقوبات الإسلامي في أشكاله الأكثر ارثذوكسية، متناسين أن تكون أسس إقامة العدل في المجتمع الإسلامي الأول قد احتاجت إلى خمسة قرون، وأن تطبيق الأحكام كان مرتبطا بالمعطيات الإسلامية في المجتمع كما هو مرتبط بالمعطيات المجتمعية نفسها (2).

فمن الناحية القضائية، تميز التشريع الإسلامي بمرحلتين حاسمتين في عهد النبي محمد: الأولى، تميزت بعقوبات اتسمت بالطابع الفردي كالحجر على المرأة المحصنة التي تمارس الجنس خارج حياتها الزوجية، أما الثانية فذات طابع عام وجاءت فيما يعرف بمصطلحنا المعاصر " في ظل حالة طوارئ" أو "حالة حرب". وقد اتسمت العقوبات بالقسوة والحسم كالجلد وقطع اليد.

مهما كانت الدوافع، فقد استجاب النبي لأوضاع عيانية منسجمة مع روح عصر تعتبر فيه العقوبة الجسدية جزءا من المنظومة العقابية السائدة من الصين الكونفوشية والهند الهندوسية إلى أوربة البيزنطية. الأمر الذي يجعل المؤرخ يقول بأن تشريع المدينة اتسم بالمحلية والنسبية ومحدودية تطبيقه زمنيا. أما القراءة التقليدية والشكلية فقد حولت هذه الخصائص إلى : عالمية وأزلية ومطلقة.

بين هذا المفهوم وذاك، تتمترس معظم المدارس الفقهية الإسلامية.

ليس بالإمكان الحديث في المدارس الفقهية اورثذكسية كانت أو منشقة عن قانون عقوبات بالمعنى التقني لمجموعة إجراءات تفصيلية لجملة الاعتداءات ذات الطابع العام. باستثناء القتل، انحصرت الحدود إلى حد كبير في ست جرائم محددة  (العلاقة الجنسية غير الشرعية -الزنا-، السرقة، شرب الخمرة، قذف المحصنات، البغي، الردة) باعتبارها حدودا إلهية. في هذه الطبيعة المقدسة للحدود المذكورة تكمن إشكالية العقوبات الجسدية. وفي النطاق التاريخي الإسلامي تجنب المؤمنون بحذر تناول هذا الموضوع بشكل واضح ومباشر.

يمكن القول أن مناهضة التعذيب اندمجت في الثقافة الإسلامية ضمن منطق مناهضة الظلم وتأصيل فكرة العدل. وقد اتسع مفهوم العدل في التجاهات الراديكالية وعند المعتزلة ومدارس التشيع, كذلك أكدت المدارس السنية على هذا المفهوم فيما يختصره ابن تيمية بالقول: "لهذا كان العدل أمرا واجبا في كل شئ وعلى كل أحد، والظلم محرما في كل شئ ولكل أحد. فلا يحل ظلم أحد أصلا سواء كان مسلما أو كافرا أو كان ظالما".

يقول الهادي العلوي في وصفه لموقف الصوفية من العقوبات الجسدية :"لم يتعرض الأقطاب للعقوبات الشرعية، وتبدو وصاياهم عن حسن التعامل والتسامح موجهة للناس في علاقاتهم ببعضهم البعض. ولا شك انهم يستبشعون العقوبات الشرعية لقسوتها لكني لم أجد من تجرأ على إنكارها وإنما أنكروا العقاب كمفهوم عام. وتغيب عن أبياتهم عبارة "إقامة الحدود" التي يرددها الفقهاء في مقام إجراء الحكم الشرعي بما فيه العقوبات"(3).

إن ممارسة إرهاب فكري حقيقي داخل الاتجاهات الإسلامية منذ القرون الوسطى جعل البعد التاريخي للعقوبات يتقدم دون مواجهة مباشرة. فإشكالية الدافع إلى الجريمة، التي طرحها الخليفة الثاني عمر بن الخطاب (حكم من 24 أغسطس 634 إلى 4 نوفمبر 644 م) والتي ترجمها بوقف قطع يد السارقة التي سرقت بسبب الفاقة في عام القحط، تم تفسيرها بشكل متنور من قبل عدد كبير من الكتاب والفلاسفة المسلمين. يقول سفيان بن عيينة في هذا الصدد :" أربع ليس عليك في واحدة منهم حساب : سد الجوعة وبرد العطشة وستر العورة والاستكنان"(4). بتعبير آخر: إن حق الإنسان في الطعام والشراب والملبس والمسكن يحدد مفهوم العقاب برمته.

كذلك تكوّن تراث في رفض التعذيب والقمع مؤسس على أن إقامة العدل مسألة تتعارض مع الاستبداد والقمع وأن الحل الأمني هو أسوأ الخيارات لتنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم. ونجد ذلك بشكل خاص فيما يعود لحقبة عمر بن عبد العزيز التي على قصرها شكلت مرجعية لمناهضي الخيار التسلطي في الحكم. ولنأخذ من تاريخ الخلفاء للسيوطي مثلين على ذلك:

- كتب الجراح بن عبد الله إلى عمر بن عبد العزيز يقول: »إنّ أهل خراسان قوم ساءت رعيتهم وإنه لا يصلحهم إلا السيف والسوط، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في ذلك. « فكتب إليه عمر: »أما بعد فقد بلغني كتابك تذكر أن أهل خراسان ساءت رعيتهم وأنه لا يصلحهم إلا السيف والسوط، فقد كذبت بل يصلحهم العدل والحق فابسط ذلك فيهم، والسلام.«.

- ذكر يحيى الغساني ما جرى بينه وبين الخليفة من تبادل في شأن التعامل مع الرعية قال:

لما ولاني عمر بن عبد العزيز الموصل قدمتها فوجدتها من أكثر البلاد سرقة ونقبا، فكتبت إليه أعلمه حال البلد وأسأله: «آخذ الناس بالظنة وأضربهم على التهمة أو آخذهم بالبينة وما جرت عليه السنة؟» فكتب إلي أن «خذ الناس بالبينة وما جرت عليه السنة، فإن لم يصلحهم الحق فلا أصلحهم الله»، فعلت ذلك فما خرجت من الموصل حتى كانت من أصلح البلاد وأقلها سرقة ونقبا». (جلال الدين السيوطي، تاريخ الخلفاء، دار الثقافة، بيروت، بدون تاريخ، ص251، 257).

يقول أبو اسحق الشاطبي في "الموافقات" : "وضابطه أنك تعرض مسألتك على الشريعة، فان صحت في ميزانها، فانظر إلى مآلها بالنسبة إلى آمال الزمان وأهله، فإن لم يؤد ذكرها إلى مفسدة، فاعرضها في ذهنك على العقول، فإن قبلتها فلك أن تتكلم بها"(5).

في الفصل المعنون "النظر في مآلات الأفعال مقصود شرعا" ( ج4، ص194) ينبه الشاطبي بضرورة النظر إلى ما يترتب على أفعالنا من مصلحة أو مفسدة للحكم عليها بالمشروعية أو عدم المشروعية.

يوضح الشيخ محمد مصطفى شلبي في رسالته عن تعليل الأحكام كيف أن أصحاب النبي كانوا " ينظرون إلى الأمر وما يحيط به من ظروف، وما يحف به من مصالح ومفاسد ويشرعون له الحكم المناسب، وإن خالف ماكان في عهد رسول الله، وليس هذا إعراضا منهم عن شريعة الله أو مخالفة لرسول الله، بل هو سر التشريع الذي فهموه"(6). ويقدم في كتابه "أصول التشريع الإسلامي أمثلة على إعمال المصلحة عند تعارضها مع النص.

على صعيد المعرفة الحكمية، يمكن تتبع احترام النفس والجسد عبر تربية الأطفال والنظرة لها. ويمكن الإشارة إلى اتجاهين رئيسيين في نهج العلاقة مع الطفل وفي تربيته، الأول يعتبر الضرب من مقومات التربية الأخلاقية والدينية، في حين يرفض الثاني هذا المبدأ فيما يلخصه موقف ابن سينا في التراث العربي الفلسفي والطبي نجد تركيزا على تهذيب الأخلاق عند الناشئة بشكل يحول دون الإكراه والتخويف. يعبّر ابن سينا عن ذلك بالقول: "يجب أن يكون وكر العناية مصروفا إلى مراعاة أخلاق الصبي فيعدل وذلك بأن يحفظ كيلا يعرض له غضب شديد أو خوف شديد أو غم أو سهر وذلك بأن يتأمل كل وقت ما الذي يشتهيه ويحن إليه فيقرب إليه، وما الذي يكرهه فينحى عن وجهه وفي ذلك منفعتان إحداهما في نفسه، بأن ينشأ من الطفولة حسن الأخلاق ويصير ذلك له ملكة لازمة والثانية لبدنه فإنه كما أن الأخلاق الرديئة تابعة لأنواع سوء المزاج، فكذلك إذا حدثت عن العادة استتبعت سوء المزاج المناسب لها.. ففي تعديل الأخلاق حفظ الصحة للنفس والبدن جميعا معا". (عن دراستنا: حقوق الطفل في الثقافة العربية الإسلامية).

 من المفيد التوقف عند حالات عيانية في الثقافة العربية الإسلامية. ولعل مثل محي الدين بن عربي (560-638/1164-1240م) يعطي صورة عن مدى عمق النقاش حول ما يمكننا تسميته "حضارة التكريم" التي اعتمدت على المفهوم الإسلامي لتكريم بني آدم لتنطلق منه إلى مفهوم الإنسان الكامل الذي يشكل الخلفية الأعمق للدفاع عن كرامة الرجل والنساء ونبذ فكرة الاعتداء على الإنسان في ذاته وفي حقه بالحياة.

يتسامى ابن عربي في نظرته للإنسان فوق الأحقاد والتحقير مطالبا الناس بهكذا ارتقاء: "ارحم من وافق الحق ومن خالفه رحمة له، فإن ذلك قسمة. فإن الكافر إذا رحم المؤمن خفف الله عنه، وإذا رحم المؤمن الكافر وفى الله له، الكل خلق الله ومضاف إليه فتعظيم خلقه تعظيمه، فطوبى لمن رحم خلقه، ولا يلزم من رحمهم أن يلقي إلى أعداء الله بالمودة. ارحمهم من حيث لا يعلمون"(7).

هذه الموقف المبدأي يجد ترجمته في مناهضة ابن عربي لحكم الإعدام على أساسين ديني وأخلاقي: أما الديني فهو قائم على أن الله واهب الحياة يملك وحده الحق في وضع حد لها. أما الأخلاقي فباعتبار أن أسوأ الجرائم لا تعامل بمثلها فليس المجرم هو المعيار لإقامة العدل. ومما يقول في ذلك:

"اعلم أن النشأة الإنسانية بكمالها روحا وجسما ونفسا خلقها الله على صورته، فلا يتولى حل نظامها إلا من خلقها، إما بيده- وليس إلا ذلك- أو بأمره. ومن تولاها بغير أمر الله فقد ظلم نفسه وتعدى حد الله فيها وسعى في خراب من أمره الله بعمارته. واعلم أن الشفقة على عباد الله أحق بالرعاية من الغيرة في الله. أراد داوود بناية البيت المقدس فبناه مرارا، فكلما فرغ منه تهدم، فشكا ذلك إلى الله فأوحى الله إليه أن بيتي هذا لا يقوم على يدي من سفك الدماء، فقال داود يا رب ألم يكن ذلك في سبيلك؟ قال بلى! ولكنهم أليسوا عبادي؟ قال يا رب فاجعل بنيانه على يدي من هو مني، فأوحى الله إليه أن ابنك سليمان يبنيه. فالغرض من هذه الحكاية مراعاة هذه النشأة الإنسانية، وأن إقامتها أولى من هدمها.ألا ترى عدو الدين قد فرض الله في حقهم الجزية والصلح إبقاء عليهم، وقال " وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله" ؟ ألا ترى من وجب عليه القصاص كيف شرّع لولي الدم أخذ الفدية أو العفو، فإن أبى حينئذ يقتل؟ ألا تراه سبحانه إذا كان أولياء الدم جماعة فرضي واحد بالدية أو عفا، وباقي الأولياء لا يريدون إلا القتل، كيف يراعى من عفا ويرجح على من لم يعف فلا يقتل قصاصا؟ ألا تراه عليه السلام يقول في صاحب النسعة " إن قتله كان مثله"؟ ألا تراه يقول "وجزاء سيئة سيئة مثلها ؟" فجعل القصاص سيئة، أي يسوء ذلك الفعل مع كونه مشروعا. "فمن عفا وأصلح فأجره على الله" لأنه على صورته. فمن عفا عنه ولم يقتله فأجره على من هو على صورته لأنه أحق به إذ أنشأه له، وما ظهر بالاسم الظاهر إلا بوجوده فمن راعاه إنما يراعي الحق. وما يذم الإنسان لعينه وإنما يذم الفعل منه، وفعله ليس عينه، وكلامنا في عينه. ولا فعل إلا لله ؛ ومع هذا ذم منها ما ذم وحمد منها ما حمد. ولسان الذم على جهة الغرض مذموم عند الله. فلا مذموم إلا ما ذمه الشرع، فإن ذم الشرع لحكمة يعلمها الله أو من أعلمه الله، كما شرع القصاص للمصلحة إبقاء لهذا النوع وإرداعا للمعتدي حدود الله فيه. "ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب" وهم أهل لب الشيء الذين عثروا على سر النواميس الإلهية والحكمية. وإذا علمت أن الله راعى هذه النشأة وإقامتها فأنت أولى بمراعاتها إذ لك بذلك السعادة، فإنه مادام الإنسان حيا، يرجى له تحصيل صفة الكمال الذي خلق له، ومن سعى في هدمه فقد سعى في منع وصوله لما خلق الله"(8).

في تأكيده على أن الحياة والموت لله وإليه يرجع الأمر بقرارهما يقول: "شرع القتل وحكم بالموت لعلمه بأن عبده لا يفوته: فهو راجع إليه. على أن قوله "وإليه يرجع الأمر كله" أي فيه يقع التصرف، وهو المتصرف، فما خرج عنه لم يكن عينه، بل هويته هو عين ذلك الشئ، وهو الذي يعطيه الكشف في قوله "وإليه يرجع الأمر كله"(9).

يرتبط هاجس العدالة بمفهوم الكمال الإنساني، وبهذا المعنى احترام الحق قاعدة من قواعد الإيمان: "إياك وظلم العباد فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، وظلم العباد أن تمنع حقوقهم التي أوجب الله عليك أداءها ولا تنهر السائل مطلقا، فإن الجائع يطلب الطعام والضال يطلب الهداية"(10).

ومع يقينه الروحاني، أكد ابن عربي باستمرار على الحديث الذي يقول "أنتم أعلم بأمور دنياكم". والحديث عن الدنيا يعني ارتباط الحياة بالزمان والمكان وتاريخية الوجود، يقول في رسائله: "اعلم أن الحكيم الكامل المحقق المتمكن هو الذي يعامل كل حال ووقت بما يليق به ولا يخلط"(11)، ويؤكد على ذلك في فصوص الحكم:"ما أحسن ما قال الله تعالى في حق العالم وتبدله مع الأنفاس "في خلق جديد" في عين واحدة، فقال في حق طائفة، بل أكثر العالم،  "بل هم في لبس من خلق جديد"(12).

 لا تنقص الأمثلة والاستشهادات، إلا أن الصراع بين اتساع الأفق وروح التغيير من جهة والتقليد الأعمى وتحجر التعامل مع النصوص وانتصار الاتجاه الثاني في ظل سلطان الاستبداد منح الديمومة  للتبني الاسمي للعقوبات الجسدية في ارض الإسلام حتى عام 1858. أي سنة إلغاء هذه العقوبات رسميا في قانون العقوبات العثماني الجديد الذي كان ترجمة لقانون العقوبات الفرنسي. ولم يبق من العقوبات السالفة سوى عقوبة الإعدام (13).

بعد إلغاء العقوبات الجسدية جاء دستور 1878 ليشكل خطوة تجديدية كبرى في العالم الإسلامي (14). ففي هذا الدستور الذي يعتبر الإسلام دين الدولة (المادة 11) يتساوى كل مواطني الدولة بغض النظر عن انتمائهم الديني ( المادة 17) وتنص المادة 26 على إلغاء التعذيب.

لا شك بأن هذين الحدثين يسجلان قطيعة مع الممارسة "الانتهازية" التي سئم التاريخ اجترارها. فكما يذكر الجامعي المصري محمد نور فرحات:

إن ما يتردد من ادعاء بأن الشريعة الإسلامية كانت فعلا وتطبيقا هي النظام القانوني النافذ في البلاد حتى نهاية القرن التاسع عشر، هو قول يفتقر إلى الدقة التاريخية.

إن الشريعة الإسلامية، بينما كانت من الناحية الرسمية والمعلنة هي الشريعة العامة للبلاد، كانت من الناحية الفعلية محل نظر.

إن من الخطأ النظر إلى الشريعة الإسلامية على أنها كيان متكامل مقدس من الأحكام الشرعية القانونية الواجبة التطبيق التي يؤثم تاركها ويثاب من يأخذ بها (15).

عرف العالم العربي في مطلع هذا القرن وبشكل خاص في مصر حقبة غنية وهامة في تقدم ثقافته القضائية. ودافعت أقلام عربية كبيرة عن احترام سلامة النفس والجسد من المحامي السوري عبد الرحمن الكواكبي إلى الحقوقي المصري لطفي السيد والشاعر العراقي جميل صدقي الزهاوي. كذلك دافع أنصار القومية العربية الأوائل عن دولة دستورية يتساوى فيها المسلمون والمسيحيون ويعيشون معا بحرية وكرامة.

لقد كانت النقطة السوداء الوحيدة وصول آل سعود بتحالف مع آل شيخ (حماة المذهب الوهابي المتزمت) إلى السلطة في الجزيرة العربية. فقد طبق عبد العزيز آل سعود منذ 1903 العقوبات الجسدية في وقت شهد فيه العالم العربي إنتاجا جيدا للمحامين والقضاة المسلمين في الجامعات العلمانية وتقدما كبيرا في مفهوم الحقوق خسر معه رجال الدين احتكار القضاء. وكان لهذه العودة إلى الوراء في الجزيرة العربية التي تمت بحد السيف والعنف أن تبقى دون تأثير يذكر لولا اكتشاف النفط الذي أعطى لمستبدي الصحراء إمكانيات تسمح لهم بحرب صليبية ضد كل أصوات الإصلاح في الإسلام في القرن العشرين. وسيتكفل الحس التجاري للإدارة الأمريكية بحماية حراس التعذيب المشرع له من كل خطر. فالغنى النفطي يسبق كل المبادئ (16).

خلال قرن من الزمن، ناضل رجال ونساء من أجل تشريع دنيوي يحترم حق الإنسان في سلامة نفسه وجسده. ونجد في هذه المسيرة الفيلسوف اللبناني أمين ريحاني، القاضي المصري علي عبد الرازق، الصحفية المصرية منيرة ثابت، المصلح التونسي الطاهر حداد،  المفكر السوداني محمود محمد طه عميد الأدب العربي طه حسين، عالم الاجتماع العراقي علي الوردي، الشيخ اللبناني عبد الله العلايلي الخ. ويدين اتحاد المحامين العرب منذ ولادته في 1944 كل أشكال التعذيب. وفي معظمها، لا تتطرق أهم الدساتير في الدول العربية إلى العقوبات الجسدية (17).

من جهته يرسم السنهوري، أستاذ اكثر من جيل للمحامين والقضاة العرب، الخطوط الكبرى لتشريعات ثنائية المرجع (غربية وإسلامية) تعبر عن الاتجاهات الكبرى للإصلاح القضائي في العالم العربي.

صراع الأفكار

يحمي الدين نفسه وأتباعه، وتتبلور معالمه باستمرار وفقا لعوامل اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية تحدد مكانه والتعبيرات التمثيلية له في المكان والزمان. إن الانطلاق من هذه الواقعة يسمح لنا بفهم تطور العقائد والقواعد في الإسلام.

معظم المصلحين في بداية القرن لم يجدوا من المفيد إعطاء مكان هام للعقوبات الجسدية في عالم يطرحها وراءه. وقليل من العلماء من يطالب بتطبيقها. على العكس من ذلك هناك حديث عن أسباب التنزيل وتغير الأحكام بتغير الأزمان وتاريخية النص القرآني. ويطرح المصلح السوداني محمود محمد طه إلغاء تشريعات المدينة وإقامة تشريع إسلامي متطور ينسجم مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. كما يفتح الشيخ العلايلي النقاش حول مغزى ومعنى وجدوى العقوبات الجسدية قائلا : " إن العقوبات المنصوصة ليست مقصودة بأعيانها حرفيا بل بغاياتها" (…) " المبادرة إلى إنزال الحد عينه - فعدا أنه لا يتفق مع روح القرآن، الذي جعل القصاص صيانة للحياة وإشاعة للأمن العام، وليس لجعل المجتمع مجموعة مشوهين، هذا مقطوع اليد، والآخر الرجل، والآخر مفقوء العين أو مصلوم الأذن أو مجدوع الأنف الخ- "(18). اعتبر الرجم عقوبة غير قرآنية (19) وطالب بمنعها. فالحدود عنده ليست لتطبق وإنما وسيلة أخيرة واستثنائية لا يلجأ لها إلا عند فشل كل الوسائل الأخرى، وفي حالات باثولوجية تتكرر فيها الجريمة. فالغاية حماية الإنسان والمجتمع وبالتالي فالعقوبة يجب أن تنسجم مع معارفنا والوسائل التي نمتلكها.

ومن الضروري التوقف عند التجربة الجزائرية التي أعطت مثلا بشعا للتعذيب في الحقبة الاستعمارية ثم تجربة بائسة للجنرالات بشكل خاص منذ مطلع التسعينات وضرب العملية الانتخابية: هذه التجربة المأساوية أعطت كادرا حقوقيا ميدانيا ناهض التعذيب وقام برصد هذه الجريمة في أقبية أجهزة الأمن وأخيرا خاض معركة تفكيك الثقافة التي تبرر هذه الجريمة والتأصيل لمفهوم إسلامي في تحريم التعذيب يلخصه محمد بن طارية، عباس عروة، يوسف بجاوي في كتابهم المشترك "تاريخ التعذيب وأصول تحريمه في الإسلام" الذي كان ضمن إصدارات اللجنة العربية لحقوق الإنسان لبناء ثقافة مناهضة للتعذيب، وقد جاء في الكتاب:

"لقد راعى الشارع في معاقبة الجناة عوامل كثيرة، ويأتي في مقدمتها لزوم العدل، وعدم اتباع الأهواء والنـزوات، فلا يعاقَب أحد إلا بعد إدانته، ولا تتجاوز العقوبة القدر المحدد شرعا مهما كان غيظ المعاقِب أو بغضه للجاني. كما تهدف العقوبة إلى تحقيق الردع وإصلاح الحال وليس الغرض منها التعذيب والتنكيل وتحطيم إنسانية المُدان. لذا كان تحريم التعذيب في الشريعة الإسلامية سواء من خلال تنفيذ العقوبة المستحَقة شرعا، أو بدعوى وجود تهمة في حق المعذَّب.

إنّ القرآن الكريم صريح في عدم جواز الإكراه ومن ثَمّ التعذيب، وهذا لأن التعذيب نوع من الإكراه. والإكراه لغةً هو حمل الإنسان على فعل شيء لا يحبه أو لا يرضاه، وهو «ما يفعل بالإنسان مما يضره أو يؤلمه» حسب المالكية كما يشير إلى «فعل يفعله الإنسان بغيره فيزول رضاه أو يفسد اختياره» في رأي الحنفية. أما ابن القيّم فيعرّف الإكراه بأنه «ضغط يقع على العاقد بوسيلة مرهبة تحمله على التعاقد»،مهما كان شكل الضغط (تسليط الألم أو الوعيد به) ومهما كانت طريقة تركيزه (مباشرة أو غير مباشرة بواسطة شخص ثالث). ولهذا يقول ابن حزم أن « الإكراه يتحقق في كل ما كان ضرراً في جسم أو مال، أو توعد به الأمر في ابنه أو أبيه، أو أهله أو أخيه المسلم.»

وبالجملة، فالتعذيب كما عرفناه في التمهيد – إما بتسليط ألم جسدي أو عقلي، أو بالتهديد بهما – يوفّر كل الشروط المطلوبة لتحقيق المعنى الشرعي للإكراه كما عرّفه السرطاوي، أي:

أن يكون الإكراه صادراً من شخص قادر على المكرَه كالسلطان أو نائبه، فإن لم يكن المكرِه قادراً على فعل ما هدّد به فلا إكراه؛

أن يغلب على ظن المكرَه وقوع ما هُدِّد به إذا لم يقرّ بما طُلِب منه؛

أن يكون الأمر المهدَّد به ضاراً بحيث يعدم الرضا أو يفسده كالضرب والحبس والقيد وهذا يختلف من شخص لآخر؛

أن يكون الإكراه بالوعيد أو التهديد بأمر يوشك أن يقع ولا يتمكن المكرَه من المقاومة أو الفرار منه أو الاستعانة بالغير.

وإذا كان الأمر هكذا، فإن الله U يقول )لا إكراه في الدين(، كما يقول I  )أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين(، فإذا كان الإكراه محرّما في شأن أعظم الغايات والمصالح (أي الدين) فإنه من الأولى أن يُحظر الإكراه في ما سواه.".

بعد فرج فوده ونصر حامد أبو زيد ومن حارب القراءة الشكلية والاختزالية للإسلام باللغة العربية، يفتح الإيراني عبد الكريم سروش نقاشا هاما حول المنهج المتبع من الإسلاميين للحديث عن حقوق الإنسان في الإسلام عبر إعادة الاعتبار لقواعد فقهية وبعض المفاهيم. يركز أستاذ الفلسفة على أن هدف حقوق الإنسان لا يتطابق مع شبكة الأفكار الدينية، وإنكار هذه الواقعة مع أو ضد حقوق الإنسان موضوع نقاش خارج-الديني". فالحاجة إلى تحديد الحق والعدالة خارج النطاق الديني، الإسلامي وغير الإسلامي، لا تحرر الدين فحسب وانما توجهنا فعلا نحو مقاربة عالمية: " ليس بالإمكان القول أن العدالة أو ما هو إنساني ذو جوهر ديني، بل الدين، أي دين يطرح نفسه باعتباره عادلا وإنسانيا. كذلك الأمر على الدين أن يدعو إلى الحقيقة وليس على الحقيقة أن تكون مرتبطة بالدين"(…)" لا يمكن لأحد أن يقبل أن الدين الذي يعتقد به مرتبط بشكل لا يمكن فصله عن احترامه للإنسانية والإنساني" (20).

إن رفض فكرة تفوق الأنا الدينية أو الإيديولوجية وقبول فكرة أن حقوق الإنسان قد أعطت للأديان والإنسان دون تمييز وإدانة كل ما يمس سلامة النفس والجسد: لعل في هذه المبادئ ما يلخص الأفكار الرئيسية للمصلحين الذين يرفضون إعادة الاستعمال الوحيدة النغم لخطاب يبرر العقوبات غير الإنسانية.

"يظهر التاريخ القضائي، كما يقول نويل كولسون، أن الظروف الاجتماعية السائدة قد مارست تأثيرا كبيرا في فترة تشكل التشريع الإسلامي. ومهما ادعت النظرية الكلاسيكية للحقوق، فقد أخذ الحقوقيون القدامى بعين الاعتبار هذه الظروف في تفسيرهم للقرآن. ضمن هذا التوجه، ان الحقوقيين المعاصرين لا يعلنون فحسب عن انتسابهم لأمثولة من سبقهم، وإنما أيضا القول بأنهم يفعلون أفضل منهم" (21).

 ملاحظات:

1- منصف المرزوقي، القضاء على التعذيب في الوطن العربي، في: سلامة النفس والجسد، التعذيب في العالم العربي، اللجنة العربية لحقوق الإنسان، 1998.

 2- Pour plus d'informations voir: Haytham Manna, “Les châtiments corporels en Islam, un itinéraire controversé”, Amnesty International, Cahier médical, n 13, Avril 1993. Et chapitre Hûdûd in: H. Manna, Islam et hérésies, l'Harmattan, Paris, 1997.

3- هادي العلوي، مدارات صوفية، دفاتر النهج، دمشق، 1997، ص 82.

4- نفس المصدر، ص 234.

5- محمد نور فرحات، "الحلاج يصلب مرتين"، في: نصرحامد ابو زيد بين التكفير والتنوير، تحرير محمد هاشم، مركز المحروسة، ص156.

6- نفس المصدر 167-168.

7- رسائل ابن عربي، ص 284.

8- ابن عربي، فصوص الحكم، مع تعليقات أبو العلا عفيفي، انتشارات الزهرا، ايران، 1370، ص167-168.

9- نفس المصدر، ص 170.

10- رسائل ابن عربي ص524.

11- رسائل ابن عربي 169.

12- فصوص الحكم ص 128

 13- Noël J. Coulson, Histoire du Droit Islamique, puf, 1995, p. 147.

14- Edmond Rabbath, La formation historique du Liban politique et constitutionnel, Université Libanaise, Beyrouth, 1986, pp 46-49

15-انظر: الدكتور محمد نور فرحات: "المجتمع والشريعة والقانون"، كتاب الهلال، العدد 426، القاهرة، يونيو 1986.

 16- نسبة إلى مؤسسها محمد بن عبد الوهاب (1703-1792). وهي نتاج مسخ للحنبلية متأثرة بنهج الشيخ التقليدي الدمشقي ابن تيمية (توفي في 1349).

17 - يدفع نشطاء حقوق الانسان الثمن غاليا من التواطؤ والصمت الأمريكي الرسمي مع الشكلين المقوننين للتعذيب في كل من العربية السعودية واسرائيل. ويمكن القول أن السياسة الأمريكية التي تغطي جرائم الحليف قد تركت آثارا مدمرة على موضوع التعذيب كما حدث ويحدث في ما يسمى بالحرب ضد الإرهاب.

18- هذه هي الحال في مصر وسوريا ولبنان وتونس والجزائر والكويت واليمن والاردن والسودان.

19-الشيخ عبد الله العلايلي، أين الخطأ، الطبعة الثانية، دار الجديد، 1992، ص 75-76

 20- Abdol-Karim Soroush, “An Epistemological Appraisal of Human Rights” The

 Iranian Journal of  International Affairs, Vol. III, n 4, Winter 1991/1992, pp 673-678.

21- كولسون، مصدر سابق، ص 205-206.

 هوامش المقطع المستشهد به من كتاب "تاريخ التعذيب وأصول تحريمه في الإسلام

مواهب الجليل 4/45، ونقلا عن محمود علي السرطاوي، الاعتراف غير الإرادي، مقال منشور في كتاب «المتّهم وحقوقه في الشّريعة الإسلاميّة»، الجزء الثاني، أبحاث الندوة العلمية الأولى – الخطة الأمنية الوقائية العربية الأولى، المركز العربي للدراسات الأمنيّة والتدريب، الرّياض 1986م، ص 85.

[1]  البحر الرائق 8/79، ونقلا عن نفس المصدر.

[1]  الطرق الحكمية، ص. 109، ونقلا عن نفس المصدر.

[1]  الفتح الكبير 3/317 ونقلا عن محمد أبو الليل، المعاقبة على التهمة في الفقه الإسلامي، مقال منشور في كتاب «المتّهم وحقوقه في الشّريعة الإسلاميّة»، مرجع سابق، ص 53.

[1]  محمود علي السرطاوي، الاعتراف غير الإرادي، مقال منشور في كتاب «المتّهم وحقوقه في الشّريعة الإسلاميّة»، مرجع سابق ، ص 86.

[1]  البقرة : 256.

[1]  يونس : 99.

 الدكتور هيثم مناع

اللجوء في الثقافة العربية

 منذ وعت البشرية إنتاج الإنسان، أي تنظيم الجماعة على أساس روابط القربى والروابط العضوية الأخرى، ومنذ دخل في قاموسها الحمى والتملك والملك.  عرفت النبذ والطرد من الجماعة أو البلد، وبالتالي واجهت مشكلة اللاجئ أو المبعد أو المنفي. وقد اقترنت هذه الظاهرة أولا بالخلاف الطبيعي الموجود بين الأفراد والذي لم يكن للبنى التسلطية أن تتحمله، سواء كانت هذه البنى تعتمد روابط القربى أو الإقليم أو الدولة.

النفي أو الإبعاد هو أولا عملية انتزاع للحماية الفردية، وبهذا المعنى، يبحث الملاحق عن حماية جماعية جديدة قد يجدها في قبيلة أو معبد أو دولة الخ. وإن تعارفت العديد من الشعوب والقبائل على مبدأ احتماء الإنسان بقبيلة أو بلد. واعتبرت العرف القائم على قدرة أي جماعة على حماية من يلجأ إليها جزءا أساسيا من سمعتها وكرامتها واحترام الآخرين لها، فإن هذا المعطى لا يشكل قاعدة عالمية، فقد اختلف مفهوم ومضمون اللجوء باختلاف الشعوب، وأحيانا داخل الحيز الجغرافي والبشري المشترك. وتعرض هذا المفهوم للتشذيب حينا والارتكاس أحيانا أخرى. ولعل نظرة سريعة على بعض مشاهده في المجتمعات البشرية قبل الإسلام توضح المعالم الأولى لوضع اللاجئ.

نجد في حضارات مصر وسورية والرافدين آثارا جد قديمة للجوء. وفي مصر الفرعونية كان اللجوء الديني معروفا. ولكل من يلجأ إلى المعابد المنتشرة على ضفاف نهر النيل حق الحماية. ولعل أول اتفاقية فرعونية تناولت حق اللجوء هي تلك الموقعة بين 1280 و 1269 قبل الميلاد المعروفة بقادش بين رمسيس الثاني وحتوسيل الثالث ملك الحتيين التي نصت على تسليم اللاجئين السياسيين بشرط عدم معاقبتهم وعدم المس بأحد من أفراد أسرتهم. (1).

يمكن قراءة نقاشات مبكرة حول موضوع اللجوء فيما وصلنا من الحضارة الإغريقية. ومن الموضوعات التي تهمنا مسألة "لمن يعطى اللجوء"، حيث تستنكر التراجيديات ( خاصة Euripide,Ion) على الآلهة اليونانية القديمة رفضها حماية من لا تقيّمهم بأصحاب العدل في المعابد معتبرة النجدة حقا للشرير والبريء كلاهما. ونجد في النص المشار إليه في الملحقات أن للمتوحش مخبأه يلجأ إليه وللعبد ملجأه في بيت الآلهة  وأن هذه الحماية تعطى للجميع(2).

تبرز مدينتا ثيبس وأثينا في التراث اليوناني باعتبارهما من أبرز وأقدم الملاجئ. وكان الملجأ يرتبط بالمكان ويشمل كل إنسان دون تمييز، وترفع الحصانة عن الشخص بمجرد مغادرته المكان. كذلك هناك أعراف ارتبطت ببعض المعابد فمعبد هيبي يحرر العبيد من الرق ومعبد دايان يفي للاجئ دينه. وكان الاستعمال السئ لحق اللجوء سببا في بدء فكرة اختراق هذا الحق عبر إرغام أشخاص بوسائل

 لعل من المناسب هنا التذكير بأن تعبير اللجوء في اللغات الغربية قادم من الكلمة اليونانية asylon التي تعني باليونانية القديمة المعبد أو المكان المحرم الاعتداء عليه. وأن الميثولوجيا الرومانية تروي أن مدينة روما قد تأسست حول معبد بناه روموس ورومولوس كملجأ لكل الهاربين والمظلومين وكان اسمه معبد الإله Asyleus حيث كل من يصل إليه يعتق.

حسب بوتييه باكيه وكاربنتييه وليبرون لا يوجد آثار لتقليد اللجوء عند العبرانيين الأوائل وعلينا انتظار الملك سليمان وسفر الملوك الثاني حيث هناك حديث عن الملك الذي يترك من يغادر ملجأه دون عقاب في حين لا يتورع الحاكم عن دخول المعبد للفتك بمن لم يقبل بسلطته. ومنذ ذلك نجد إقرارا بمبدأ اللجوء للمعابد، يستثنى من هذا الحق قاتل النفس وكل عبد ليهودي والأعداء.

تقدمت النقاشات والتشريعات حول اللجوء بشكل كبير مع المسيحية، وقد أقرت الكنيسة بحق رجل الدين في قبول لجوء من يعترف له بخطيئة وتعززت هذه الحماية منذ المجمع السارديني في 347 للميلاد ثم في القرنين الخامس والسادس ليخرج مفهوم اللجوء من الكنيسة إلى كل أماكن العبادة على اختلافها.

في هذا الوقت تقريبا وقبل ظهور الإسلام، كان مبدأ الإجارة منتشرا في الجزيرة العربية. والإجارة، عرف بين القبائل غير مكتوب يقوم على مبدأ البحث عن مسارب اجتماعية لإعادة اندماج المتمردين على العلاقات السائدة أو هيكل السلطة في قبائلهم ومناطقهم. وللإجارة أعراف، فقد تكون جزئية (تجاه قضية محددة أو عدو معين، وبالتعبير اللاتيني ad hoc) وتكون شاملة في الحياة والموت والسراء والضراء حتى من أخ الدم (قتل قيس أخاه بجاره كما يقول ابن حبيب في المحبر(3).

يسمى جار العرب هديهم أو هدتهم (لسان العرب: هدي) ويترتب على الإجارة قبول قيم المجير واحترام جواره وصون ماله وشخصه كما يصون ابن القوم ما يخص قومه. وإما أن تنتهي الإجارة إلى الاندماج الكامل في الجماعة الجديدة الأمر الذي يعني عضوية نسب جديدة كاملة مع الوقت، أو أن يتجدد الصراع والتمرد عند المجار في خرق لأعراف الإجارة تعطي المجير الحق في خلع من أجاره.

هناك ظاهرة ثانية عرفتها الجزيرة العربية قبل الإسلام واستمرت بعده لزمن، هي ظاهرة اجتماع الخلعاء والمنبوذين والملاحقين في جماعات مستقلة لهم منحدرة من طرائد قبائل مختلفة تنظم عمليات نهب وإغارة تضمن بها موارد عيشها وتثأر بها من أسباب خلعها. وقد أخذت أسماء عديدة مثل صعاليك الأحياء وذؤبان العرب وأصحاب الغارات. 

كانت الإجارة حقا دنيويا يحظى بمكانة المحرم والمقدس، وقد أحصينا أكثر من ثمانين حربا سببها رفض الكيانات القبلية أو السياسية تسليم طالب لجوء. وهناك قصة بدوية كنا نسمعها في بادية الشام تقول بأن جماعة من البدو كانت جالسة على ضفاف الفرات عندما قفز ضفدع بين الساهرين، فضرب أحدهم الضفدع بعصا فلم يصبه فضربه ثانية فقفز الضفدع إلى حضن أحد الجالسين فقال: دخل، ولم يأبه الضارب لقوله أنه دخيل كونه ضفدع وليس إنسان فضربه وهو في حضن الرجل فأصابه. ولموت الضفدع قامت حرب بين العشيرتين كادت تقضي عليهما. فحتى الدخيل من الحيوانات له حق مقدس منذ قديم الزمان في العرف والقانون.

في اللغة العربية الملجأ هو المعقل والملاذ. وترتبط كلمة الملجأ بالسند والعضد للغريب في غياب تضامن الجماعة مع ابنها. ويعبر الشاعر الهذلي عن روح الحماية هذه بالقول:

          وكنت إذا جاري دعا لمضوفة،      أشمر حتى ينصف الساق مئزري  

تعامل القرآن مع موضوع المنفيين واللاجئين بشكل تكريمي ومتميز. ولا غرابة في الأمر، فقد تعرض المسلمون الأوائل للاضطهاد في مكة واضطروا إلى الهجرة إلى الحبشة ويثرب(المدينة). وقد خص القرآن المنفيين بسبب اعتقادهم ورأيهم آية كريمة في سورة النساء: "ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرة وسعة، ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله"(آية 100). بل وحضت الآية 97 من نفس السورة على الهجرة لأن أرض الله واسعة في حال وقوع مظالم واضطهاد.

أقر الفقه الإسلامي بمختلف اتجاهاته مبدأ الحصانة المعطاة لمن يلجأ واعتبر معظمهم دخول المسجد حماية أسوة بالكعبة التي نص القرآن عليها بيت آمان: "ومن دخله كان آمنا"(آل عمران-97).

كذلك ثبّت القرآن الكريم مبدأ الاستجارة حتى للمشركين: "وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه، ذلك بأنهم قوم لا يعلمون" (التوبة، 6). فإذا علمنا أن المرجع الأول في الإسلام  يعتبر كل الذنوب موضوع مغفرة إلا الشرك، وأن المشرك له حق اللجوء، نفهم مدى أهمية هذا الحق في الثقافة العربية الإسلامية. ويشرح ابن منظور الآية بالقول: "إذا طلب منك أحد من أهل الحرب أن تجيره من القتل إلى أن يسمع كلام الله فأجره أي أمنه، وعرفه ما يجب عليه أن يعرفه من أمر الله تعالى الذي يتبين به الإسلام، ثم أبلغه مأمنه لئلا يصاب بسوء قبل انتهائه إلى مأمنه".

شهد تراث الحديث والفقه نقاشا واسعا حول مسألة اللجوء والأمان الذي يعطى إلى اللاجئ. فمنهم من تحدث عن ثلاثة أيام إن تعلق الأمر بالمشرك في حين ربطه البعض الآخر بوجود ملجأ آمن آخر له. وقد اعتبر العديد من الفقهاء مكة والمدينة مناطق محرمة على القتال والعدوان على الفرد والجماعة. وهناك اتفاق على عدم تسليم طالب الحماية لمن يمكن أن يسبب له الضرر. وتعددت أشكال الإجارة بعضها للحاكم وبعضها لكل شخص طلبت منه وبعضها ضمن عقود جماعية كعهد الذمة وهو يخرج عن موضوعنا بالمعنى الحصري للكلمة.

ارتبط موضوع اللجوء بتعريف الجماعة وسيادة الدولة. فالجماعة قبلت الفرد وحمته ولكنها دائما أدمجته في بنيانها بالمعنيين الثقافي والمجتمعي. ولو أخذنا ما يعرف بالفلتية في التاريخ المشرقي، أي مجموع المتمردين الذين خرجوا عن جماعاتهم أو عن السلطة المركزية، نجدهم يتحولون إلى أعضاء فاعلين في الجماعات التي يلجؤون لها وينالون أحيانا قيادتها. وكذلك الأمر لحالات اللجوء الجماعي، فالعديد من الأمويين لجأووا إلى كردستان فنالوا الحماية واندمجوا مع الوقت مع الأكراد، وهناك حوادث بالاتجاه الآخر حيث احتمت جماعة كردية بعشيرة المتاورة في جبال اللاذقية وأصبحت من قوامها مع الوقت، وعائلة جان بولاد السنية احتمت بالموحدين الدروز وأصبحت من قياداتهم وكذلك الحال لعديد البيوت في جبل عامل في لبنان من السنة الذين أصبحوا من رموز الشيعية الإثني عشرية إثر دخولهم في حماية عائلات شيعية سواء كان ذلك لخلافات قبيلة أو سياسية. وهناك أمثلة عديدة في المغرب الكبير مع سقوط إمارات ونشأة أخرى كذلك لا تعدم الأمثلة في وادي النيل.

ارتبط مفهوم اللجوء عند العرب والكرد والفرس والبربر بتعبير الاستجارة، أي طلب الجوار بهدف الحماية والإجارة.  وشكلت التقاليد الشرقية والغربية كلاهما عبر الزمن ما يمكن تسميته بالأعراف الدولية والتي تطورت بشكل كبير في القرنين الماضيين بحيث صار العرف الدولي المقتبس من إيجابيات التراث الإنساني في قوة الإلزام الاعتباري، وأهم معالم هذا العرف:

مبدأ عدم التسليم إلى قوم المنشأ قبيلة أو جماعة اثنية أو دولة

مبدأ احترام المحمي ما احترم المحتمى إليه وتقييد الدولة بالنسبة لإبعاد الأجانب

مبدأ عدم تسليم المجرمين والمضطهدين لسبب عقائدهم أو آرائهم

مبدأ المأوى المؤقت

مبدأ الطابع الإنساني والسلمي لمنح الملجأ

لعل الدستور الفرنسي الصادر في 24/6/1793 من أول الدساتير التي نصت صراحة على حق اللجوء حيث جاء في المادة 120 : "يعطي الشعب الفرنسي اللجوء للأجانب المضطهدين في بلدانهم من أجل قضية الحرية، ولا يعطيه للطغاة". وتنص المادة 14 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948) على أن "لكل فرد الحق في طلب الملجأ والتمتع به في بلدان أخرى هربا من الاضطهاد. في حين أن مشروع الإعلان كان ينص صراحة على حق الفرد في الحصول على ملجأ (الفقرة 12). ونتيجة هذا الغموض المتعمد من قبل الدول نجد غيابا كاملا لحق اللجوء من العهدين الخاصين بالحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية كذلك لا تعترف الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان والحريات الأساسية بحق الفرد في اللجوء، وفشلت في 1960 محاولات وضع نص يعترف بحق اللجوء للأفراد في بروتوكول ملحق بها عام 1960. وأول نص إقليمي أقر حق اللجوء وربطه بالاتفاقيات الدولية والتشريعات المحلية هو الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان (1969) في المادة 22/7 التي تنص على أن لكل شخص، في حالة ملاحقته لجرائم سياسية أو جرائم عادية متصلة بها، الحق في طلب الملجأ والحصول عليه في إقليم أجنبي طبقا لتشريع كل دولة وطبقا للاتفاقيات الدولية.

يسلك الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب (1981) نفس المسلك حيث أن المادة 12/3 تنص على أن لكل فرد، في حال ملاحقته، طلب الملجأ والحصول عليه في إقليم أجنبي طبقا لتشريع كل بلد والاتفاقيات الدولية. وقد فشلت المحاولات الدولية في 1951 وأثناء إعلان الأمم المتحدة بشأن الملجأ الإقليمي في 1967 ومؤتمر 1977 لنفس الغرض في قبول مشاريع تنص على حق الفرد في الملجأ لاعتبار الدول والكتل الإقليمية الشمالية بشكل أساسي وعدد من الجنوبية (الغنية و/أو التسلطية) هذا الموضوع جزءا من مفهوم السيادة. من هنا ما زلنا في سقف احترام مبدأ عدم الإعادة واحترام المبادئ الدولية المتعلقة بالملجأ.

رغم أن ضرورات العولمة بمنطقها الخاص تعني الترافق بين تسهيل حركة البضاعة الثقافية والبضاعة المادية من جهة وحركة البشر من جهة أخرى، فإن التكتلات الاقتصادية الأقوى في العالم (أوربة الغربية والولايات المتحدة) تصر على الفصل بينهما بشكل تعسفي. ونلاحظ هذا واضحا في القرارات الأمريكية المتعلقة بالوافدين والأجانب كذلك في اتفاقية شنغن والقرارات الأوربية الخاصة بتقييد اللجوء الذي لا يعتبر حقا متفقا عليه بعد.

                                   ـــــــــــــــ    

 ملاحظات:

 Crepeau, Droit d’asile, de l’hospitalité aux contrôles migratoires, Bruylant, Bruxelles, 1995 p. 30,

Daphné Bouteillet-Paquet, l’Europe et le droit d’asile, l’Harmattan, Paris, 2001, p.39.

هيثم مناع، إنتاج الإنسان شرقي المتوسط، العصبة، القبيلة، الدولة، دار النضال، بيروت، 1986، ص86 وما بعدها.

 

 حقوق الإنسان في العراق : آفاق العمل غير الحكومي

 لم تحرمنا الأنظمة العربية الشمولية من فصل السلطات وتوسيع الفضاء غير الحكومي ونشوء المقومات الأساسية للسلطة الرابعة، بل أيضا من الوعي المدني والحقوقي والسياسي. مما خلق حالة عدم توازن تغلبت فيها البنى العضوية التاريخية على البنى المدنية، وروح الثأر على روح العدل، كما وتأصل خوف السلطة أو القوة حتى لو كانت مجتمعية وجعل الشأن العام يطرح من منظور التأميم لا منظور التعميم. باختصار، لقد مست عملية تدنيس الوعي وتشويه العقل البشري كل الأعمار وكل مراحل التعليم.

قََتَلَ "الخطاب الوطني" في هذا المعمعان الوطنية والمواطنة وجرّد الناس من مكتسبات عصرهم التي جعلت من تكريم الإنسان وحماية حقوقه قاسما مشتركا أعلى للشعوب الطامحة لدور في هذا العالم. وصل الأمر في النهاية إلى يأس من نهاية النفق جعل من مأثورة "فليأت الشيطان" برنامجا سياسيا رد فعلي لعدد غير قليل من الناس.

هذا الإلغاء للآخر ولحق الاختلاف جعل الاستئصال من مقومات الخطاب السياسي العام ومن الإنتاج الواسع للعنف السلطوي وسيلة تعميم للعنف على كل المستويات. إن العقوبات الجماعية القائمة على الحقد والتعالي ونظرة الازدراء إلى المجتمع ألغت مفهوم الشخص والمسؤولية الفردية. فصار الانتقام الجماعي مقبولا في مجتمع رزخ أكثر من 30 عاما تحت وطأة العقوبة الجماعية، فقد تعمم نهج الطاغية ليمس الخلايا الاجتماعية. إن إصرار الحاكم على ارتكاب الجريمة باسم الناس ينتهي لشعور جماعي يقبل أي عقاب بحق من جرد هذه الجموع حتى من إنسانيتها ومدنيتها، بل حتى حقها في ملف شخصي عادي. فليس هناك ربة بيت تسهر على عائلتها أو عامل تنظيفات يقوم بعمله بصدق وأمانة، أو أشخاص يذهبون من العمل للبيت ومن البيت للعمل. في المنهج الشمولي، هناك فقط من هو معنا ومن هو ضدنا. هذا الأمر ينتج مع الوقت عصابا جماعيا يربط كل شئ بالطاغية. وحيث أن هذه الطاغية تنسب لنفسها الخير ولغيرها الشر، فسقوطها يعني عكس الآية بشكل أتوماتيكي، فالدكتاتورية تصبح مصدر كل الشر إن كانت سببا فيه أو لم تكن.

ليس موضوع هذه المحاضرة إعلان الحرب وجريمة العدوان في القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، فمن المعروف أن احتلال العراق كان دون أي غطاء قانوني دولي بكل المعاني. لذا سنحاول التوقف عند ما يمكن تسميته البحث المشترك للدول العظمى عن "شرعية الحد الأدنى" للتعامل مع الأمر الواقع. هذا البحث السياسي الذي لا يعطي الواقع شرعيته من وجهة نظر الشرعة الدولية لحقوق الإنسان. لقد قامت الولايات المتحدة بضغوط لا سابق لها لاستصدار القرار 1483 عن مجلس الأمن بعد احتلال بغداد وناقشت كل مواضيع السيادة العراقية بدون أي طرف عراقي، حتى ذاك الذي اعتلى دبابتها للعودة. واستطاعت الدول الرافضة للاحتلال أن تضمن في النص اعترافا صريحا بالاحتلال وبالتالي التزاما على الورق على الأقل بما يترتب على هذا الوضع من التزامات للدولة المحتلة.

لقد زعزع أسلوب التغيير الذي حصل في العراق كل المفاهيم السياسية العادية: فأساس العمل لأي تنظيم سياسي أو مدني هو استقطاب الناس في البلد من أجل التغيير بوسائل سلمية أو عنفية. أي التغيير من الداخل ومن تحت. في حين ما جرى في العراق، هو التغيير بقوة من الخارج ومن فوق. الأمر الذي يجعل تكوين الجهاز الجديد يخضع للطابع الإرادوي للحاكم وجنوحات العسف والفساد في المال والإدارة، أي جملة مخاطر السلطة التسلطية البائدة. من هنا ضرورة التأكيد على بناء النسيج المدني الاجتماعي والمبادرة التحتية والتغيير من الداخل كرد موضوعي يضمن للمجتمع العراقي أفرادا وجماعات الحقوق الأساسية الدنيا التي يطمح لها الأشخاص والشعوب في القرن الواحد والعشرين.

يمكن أن نستشرف ثلاثة آفاق لا سابق لها من التورط الأمريكي في العراق هي في صلب ومبررات نشأة الأمم المتحدة والمجلس الاقتصادي والاجتماعي:

1-  كانت الغاية المعلنة لأطراف التحالف إسقاط الحكومة لا إلغاء الدولة، وعلى العكس من ذلك فهي تؤكد في كل تصريحاتها ومواقفها على وحدة أراضي الدولة وسيادتها. الأمر الذي يعني في القانون الدولي أن جملة التزامات هذه الدولة (الجمهورية العراقية) على صعيد حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي تبقى مرجعا علويا بالنسبة لمنظمات حقوق الإنسان في العراق. وأي قرار من سلطات الاحتلال يخالف هذه المرجعية، غير ملزم لنشطاء حقوق الإنسان. كما أن قرارات أي دولة دكتاتورية في العالم تخالف الشرعة الدولية موضوع استنكار وشجب من قبل المدافعين عن حقوق الإنسان، قرارات الاحتلال المخالفة لا يجوز السكوت عنها، على سبيل المثال، قد يبرر الحاكم العسكري التعذيب بحجة العمليات العسكرية ضد قواته، كما تفعل قوات الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين، فكيف يمكن السكوت على ذلك والتعذيب محرم وجريمة لا تزول بالتقادم مهما كانت الذريعة. كذلك فإن محاسبة قوات الاحتلال على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية حق من حقوق كل مواطن عراقي كان ضحية لإحدى هذه الجرائم. سواء في الاختصاص الجنائي العالمي أو في المحكمة الجنائية الدولية (باعتبار بريطانيا واستراليا قد صدقتا على قيام المحكمة). ومن مهمات، حتى لا نقول واجبات العاملين في حقوق الإنسان الدفاع عن استقلال السلطة القضائية والسلطة الإعلامية  (الرابعة) باعتبارهما طرفا أساسيا في التكوين السليم لسلطة تنفيذية وسلطة تشريعية أكثر ديمقراطية. ومن مهماتها تعزيز حقوق المواطنة قبل التشكل الاسمي للسيادة.

2-  بعكس ما يدعيه الحاكم العسكري والناطق باسمه، من أن القرار 1483 يعطي قوات الاحتلال سلطات لا حصر لها، فإن المادتين الرابعة والخامسة تحفظا ما تبقى من ماء الوجه للأمم المتحدة عبر إلزام الجميع بالقانون الإنساني الدولي والالتزامات الدولية الأخرى حيث نصتا على:

-     يطلب من السلطة أن تعمل، بما يتسق مع ميثاق الأمم المتحدة والقوانين الدولية الأخرى ذات الصلة، على تحقيق رفاه الشعب العراقي عن طريق الإدارة الفعالة للإقليم، بما في ذلك بصفة خاصة العمل على استعادة الأحوال التي يتوفر فيها الأمن والاستقرار، وتهيئة الظروف التي يمكن للشعب العراقي أن يقرر بحرية مستقبله السياسي.

-    يطلب من جميع المعنيين أن يتقيدوا تقيدا تاما بالتزاماتهم بموجب القانون الدولي بما في ذلك بصفة خاصة اتفاقيات جنيف لعام 1949 وقواعد لاهاي لعام 1907.

 3-  تسمح لنا التجربة العراقية بأول تجربة عربية وشرق أوسطية مفتوحة للمحاسبة. هذه التجربة قد تكرر ما حدث في إيران أو سورية أو غيرها من البلدان حيث غاب القانون الدولي ومبادئ حقوق الإنسان باسم إيديولوجيات انتصرت واستلمت السلطة وعاقبت من منظورها السلطات البائدة. وعندها نكون في حلقة مغلقة تكرر المآسي نفسها. أو تقوم على مبدأ رفض انتقام الغالب واستعمال القانون الاستثنائي وهيمنة الطابع العسكري على أية محاسبة. صحيح أن المنظومة العالمية لحقوق الإنسان هي انعكاس لموازين القوى في بناء أشادته الدول والهيئات بين الحكومية، ولكنها لم تعد ملكا لمن أنجبها وبدأت تتطور خارج هذا الفضاء وأصبحت قوتها المركزية اليوم في المجتمعات المدنية على الصعيد العالمي. لذا وضمن المعطيات العالمية لمحاسبة حقب الطغيان، وضمن وجودنا أمام حالة أنموذجية للعسف وارتكاب الجرائم الجسيمة الكبرى، نعتقد بأن مجرد التفكير بمحكمة من قبل الاحتلال أو محكمة استثنائية هي إهانة لضحايا صدام حسين، وسلوك لا يمكن قبوله من قوات الاحتلال التي قد تلجأ لهذا الأسلوب للسيطرة على المحاكمات وعدم الضرر بأشخاص ارتكبوا جرائم كبيرة هم اليوم في حمايتها. إن التكريم الحقيقي لأهالي الضحايا والكرامة العراقية يكون بتشكيل لجان تحقيق مستقلة وقضاء عادي مستقل يعتمد الشرعة الدولية لحقوق الإنسان والتزامات العراق الدولية لتكون هذه المحاكمات أمثولة للعرب والعجم، الشمال والجنوب. لقد باشرت مجموعات ناشئة لحقوق الإنسان والدفاع عن الضحايا مهمة التوثيق والتنقيب في المقابر الجماعية. وسنسعى جهدنا لإرسال خبراء في البحث المتعدد الميادين في قضايا المفقودين للاستفادة من تجارب دول أخرى. وكم نتمنى أن يكون العراق التجربة الأولى في العالم للمحاسبة وفق الشرعة الدولية لحقوق الإنسان. عندها يمكن زراعة البذور السليمة لإعادة بناء المجتمع المدني في العراق وأسس دولة القانون.

 يمكن للأحزاب السياسية أن تكبر أو تصغر بل وتضمحل، ولكن لا يمكن لحركة حقوق الإنسان إلا أن تستنفر من أجل بناء الوعي الحقوقي والمدني ليتمكن كل شخص من الدفاع عن حقوقه بنفسه أو بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني المختلفة التي تتصدى لهذه المهمة. من هنا، لا يجوز لهذه الجمعيات أن تكون أسيرة الرأي العام أو الإيديولوجيات أو الحسابات الآنية والضيقة. فإن كان النضال من أجل حقوق الإنسان مهمة سياسية بالمعنى النبيل والإغريقي للكلمة، كمساهمة في الشأن العام وتشجيع على الاندماج فيه وسلطة مضادة ووسيط كاظم للغيظ بين نقاط التماس ومقتصد للعنف عبر تعزيز كل الوسائل السلمية لإقامة العدل فهي لا تحتاج إلى 51% لتحقيق برنامجها أو وجود مندوب لها في هذه السلطة أو تلك. كذلك لا تبحث عن الشعبية على حساب المبادئ وانتساب الناس ضمن مبدأ الغاية تبرر الواسطة. على العكس فهي تبدأ الدفاع عن الأضعف والأقل حماية والأصغر عددا باعتبارهم الفئات الأكثر هشاشة وضعفا وتعرضا للخطر. والأقلية تبدأ بالشخص الواحد، فقد لا تعجبنا الآيات الشيطانية لسلمان رشدي أو البرنامج السياسي لمحمد عباس (أبو العباس)، ولكن واجبنا هو قراءة الملف بكل تمعن والدفاع عنهما في حال ثبوت وقوع مظلمة من وجهة نظر الشرعة الدولية لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي. وعلى الأقل المطالبة الملحة لمحكمة عادلة لأي شخص بغض النظر عن أصله ودينه وعرقه ولونه وقوميته وجنسيته كشخص.

من هذه النظرة، نعتقد بأن الأسس السليمة لبناء منظمة عراقية لحقوق الإنسان تستوجب استحضار النقاط التالية:

1-  مبدأ ترابط وتكامل الحقوق الستة: اقتصادية، اجتماعية، ثقافية، سياسية، مدنية وبيئية. فالتوقف عند البعد المدني والسياسي في بلد أكثر من 70% فيه يعاني من الفقر يجعل من نشطاء حقوق الإنسان مغرد في عالم النظرية بعيد عن مشكلات الواقع، كذلك الأخذ بالنظرة الأمريكية التي ترفض مفهوم حق التنمية وحاربتنا عند تبنيه من الأمم المتحدة سيمهد إلى ليبرالية وحشية تحمل كل عناصر الرفض والتمرد المجتمعي.

2-  مبدأ الربط بين الماضي والحاضر والمستقبل: أي عدم قتل الذاكرة كما حاول الكثير من الخارجين من الحرب في لبنان أن يفعلوا، أو إلغاء مبدأ المحاسبة في الجرائم الجسيمة باسم فتح صفحة جديدة، كذلك عدم التقصير في التصدي للمهمات والتحديات المعاشة في ظل الاحتلال، فقد كان في العراق جمعية لحقوق الإنسان في حقبة صدام وكانت تركز اهتماماتها بالعقوبات الاقتصادية دون الاهتمام بالانتهاكات اليومية لحقوق الإنسان من قبل السلطة. وفشلت هذه الجمعية في كسب المصداقية المجتمعية لهذا السبب. وإن تم التركيز على حقبة صدام وعدم تتبع الانتهاكات اليوم، ستقع المنظمات الناشئة الحالية في نفس المطب والمرض. أخيرا لا بد من خوض معركة المستقبل عبر بناء الأسس الثقافية والتأهيلية لمنظومة حماية للأشخاص والجماعات في الوعي الجماعي والدستور والقوانين لوضع ترسانة وقائية مزروعة في الثقافة العامة والحماية القانونية.

3-  القدرة على أخذ المسافة اللازمة من الجريمة بحثا عن تأصيل مدرسة العدل مكان مدرسة الثأر وعدم وضع حدود قومية أو إثنية أو دينية أو طائفية أو وطنية عراقية في الدفاع عن الضحايا.

4-  أعود فأؤكد على ضرورة الرد على الانتهاكات الواقعة من سلطة الاحتلال لأنها معيار في ذهن الناس لمصداقية العمل، فاليوم المتطرف والفاشي وعنصر الأمن السابق يزاودون على الديمقراطي في تثليم وتجريم الحقبة الصدامية، كما كان هؤلاء بالأمس يغنون بحمدها بل ويحمونها. إن أصعب المهمات يكمن في تخليص المجتمع من عقابيل الحقبة الصدامية بتناول عقلاني وعادل مسألة التعويض عن الضحايا ومحاسبة كل المجرمين وامتلاك الرؤية التي تسمح بإبصار انتهاكات اليوم وشجبها بالتعاون مع المنظمات الإقليمية والدولية.

حتى لا نبقى في المعطيات العامة، نورد بعض الأمثلة العيانية لتوضيح ما نقول: المشكلة الأساسية اليوم عند المواطن حق الحياة والحق في توفر ظروف العيش الدنيا(ما أسماه العرب القدامى حق الوالبة) وحق العمل. وللنضال من أجل هذه الحقوق لا بد من رصد حجم المعاناة الاقتصادية والبحث مع النقابيين والسياسيين والمختصين عن تصورات للحل تنسجم مع الشرعة الدولية لحقوق الإنسان والحاجيات الملموسة وعلاقتها بالموارد الغنية في البلاد. لا بد من شجب كل محاولات القفز فوق قوة العمل العراقية في اتفاقيات إعادة البناء باعتبار المجتمع العراقي يعيش في حالة فقر وبطالة وتمزيق لقوى العمل فيه ولا يتحمل أي تباطؤ في إعطاء المواطنين حقهم في الكرامة قبل أن يضطرهم القمع والحصار الجديد إلى التمرد كما جاء في ديباجة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

لا بد من التأكيد على جميع الأحزاب السياسية لتؤكد في برامجها على العلاقة الجدلية بين مختلف الحقوق الإنسانية. فحقوق الشعب لا يجوز أن تكون تعلة لخنق الحريات الفردية والعامة، والحقوق الاقتصادية تحقق التوازن الضروري اللازم لاحترام حقوق المواطنة السياسية والمدنية. مع التأكيد على أن أي إجراء تعسفي هو إعادة إنتاج للحكم التسلطي وهو بالتأكيد حجر عقبة أمام إعادة بناء الإنسان وخوض معركة التنمية.

مثل ثاني يأتي من التصرفات العشوائية لقوات الاحتلال التي جعلت من العراق البلد الذي يعيش أعلى نسبة اعتقال في فترة زمنية قصيرة  تجاوزت الشهرين بقليل. فمن يدافع عن المواطن الذي يتم احتلال منزله وتسرق أشيائه، والمسجد الذي يفتش ويؤخذ منه الأوراق النقدية والوثائق كأمر عادي (كما حصل في مسجد حذيفة بن النعمان) وهل لأن هذا الشخص ليس من حارتنا أو عائلتنا أو طائفتنا أو حزبنا فهو بعثي أو مخرّب؟ ألا تحظر العقوبات الجماعية وبالمثل جميع تدابير التهديد أو الإرهاب وتدابير الاقتصاص من الأشخاص المحميين وممتلكاتهم (المادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة). في بيان صادر عن قوات الاحتلال بعلاقة بعمل أي موظف في قطاع الدولة هو ورقة براءة من حزب البعث يعلن نهايته ونهاية نظامه وينص فيما ينص على: "أقر واعترف بأن أي تعامل أو اشتراك مع حزب البعث أو المشاركة في فعالياته سيكون نقضا لأوامر قوات التحالف. وأتعهد بالتعاون الكامل مع قوات التحالف لخدمة الشعب العراقي وبناء حكومة عراقية جديدة. وسوف أطيع كافة القوانين العراقية والأوامر والتعليمات الصادرة عن قوات التحالف وأشهد الله على ذلك" (توقيع مع شاهدين).

يعتبر إجبار السكان على التعاون والتعامل والطاعة في المناطق المعتبرة محتلة إخلالا بالعرف الدولي والقانون الإنساني الدولي. والمصيبة أكبر عندما تربط لقمة العيش بالتعامل مع قوات الاحتلال. وقد جاء في المادة 52 من اتفاقية جنيف الرابعة:"تحظر جميع التدابير التي من شأنها أن تؤدي إلى بطالة العاملين في البلد المحتل أو تقييد إمكانيات عملهم بقصد حملهم على العمل في خدمة دولة الاحتلال". وينص القرار 1483 في المادة الخامسة منه على احترام اتفاقيات جنيف! فهل تسكت منظمات حقوق الإنسان عن هذا؟

في كتب التأريخ للنازية نقرأ نصا قريبا من النص أعلاه أصدره الرايش الثالث بحق أعضاء الحزب الشيوعي الألماني.

هذا المثل أسوقه للتأكيد على ضرورة  عدم الوقوع في فخ الانتقام من الطاغية صدام بحصر السببية والمساءلة وصب كل النقمة على النظام البائد بحيث تغيّب مثلا قضية فرض أقسى عقوبات اقتصادية في الأزمنة الحديثة على شعب مع كل ما ترتب على ذلك من تجويع وتجهيل وتغييب للمجتمع العراقي، واستمرار نهج الرهينة في تسليم اتفاق النفط مقابل الغذاء لقوات الاحتلال، وأخيرا وليس آخرا فسح المجال لقوات الاحتلال لتمرير سلطة تسلطية تفرض على الشعب العراقي. لقد التقيت بالأمس بأحد ضحايا نظام صدام الذي أعطاني قائمة بأسماء ضباط الأمن بعضهم مسؤول عن جرائم جسيمة ومقابر جماعية من جهاز صدام ضمّهم بريمر إلى فريقه الأمني. وكانت الولايات المتحدة قد استفادت من كوادر نازية في المجالين العلمي والأمني بعد الحرب العالمية الثانية باسم المصلحة القومية العليا. ونخشى أن نقع في فخ محاسبة الأسماك الصغيرة في حين أن الحيتان الكبيرة تجري حمايتها من قوات الاحتلال. فالجريمة ضد الإنسانية جريمة ضد الإنسانية والقتل هو القتل والتعذيب هو التعذيب، ولا يغّير التعامل مع سلطة الاحتلال موقف نشطاء حقوق الإنسان من مجرمين أو جرائم لا تزول لا بالعفو "الأمريكي" ولا بالتقادم.

المثل الرابع وهو يذكرني ببيت شعر معروف نسترقه كما يلي

أيا جارتا إنا فقيران ها هنا    وكل فقير للفقير قريب

فإذا ما أخذنا ملف اللاجئين الفلسطينيين في العراق، لوجدنا أنفسنا أمام إحدى أقسى الأوضاع الفلسطينية في العالم العربي. فصدام حسين الذي كان يزاود في الملف الفلسطيني لم يضع قدمه يوما في الزعفرانية حيث المجاري والبشر والصفيح والقمامة يتراكمون على بقعة أرض ملوثة. هذا "الغير عراقي"ن مثله مثل معدمي حي الصدر، لم يكن له أي حق في السفر أو التملك أو العمل الكريم أو العيش بشكل عادي. وكانت سيارات أمانة العاصمة للقمامة تقف قبل الوصول لمنطقة الفلسطينيين مما يضطر اللاجئون لحرق قمامتهم بأنفسهم. من واجب نشطاء حقوق الإنسان الدفاع عن غير العراقيين الذين تنتهك حقوقهم وكرامتهم كدفاعهم عن المستضعفين والمعدمين والمحرومين من أبناء العراق. (صدر تقرير عن اللجنة العربية لحقوق الإنسان عن الفلسطينيين في العراق).

هذه الأمثلة السريعة التي لاحظتها أثناء إقامتي المقتضبة ومتابعتي للملف العراقي، أضعها بين يدي المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية في العراق، ونحن في اللجنة العربية لحقوق الإنسان نطمح لوضع تقييم أولي لحاجياتكم انطلاقا من عملكم الميداني، وسنكون معكم في أي مشروع يساهم في تقوية وتعزيز الحركة العراقية لحقوق الإنسان.

قبل فتح باب النقاش، أترك الحديث للصديقة منى رشماوي، ممثلة مفوض الأمين العام للأمم المتحدة سيرجيو فييرا دو ميللو المسؤولة عن حقوق الإنسان وملف المرأة. شكرا لحسن لستماعكم

الاختيار الدستوري لإقامة العدل

يتفق عدد هام من أهل الشريعة الإسلامية وأنصار الشرعة الدولية لحقوق الإنسان على الانطلاق من مبدأ مركزي مفاده أن الأصل في فكرة العدل هو تأسيس شرعية الاجتماع، أي انتظام الاجتماع حول مبدأ يضمن تداول أو توزيع الثروة الاجتماعية والسلطة السياسية بين الناس وفق معايير إجرائية وقيم خلقية تنسجم ومعايير العدل وقيمه في المجتمع. من هذا المنطلق، يمكن القول أن مبدأ العدل يشكل أس الشرعية التي هي رأس المال المعنوي الضروري لتوافق النسق السياسي مع القيم العليا للمجتمع وغاياته التي يدافع عنها من جهة، وضمان تماسك الاجتماع ونمائه وازدهاره وتجدده في التاريخ من جهة ثانية. فلا يقوم اجتماع دون أمثولة للعدل تعطي الشرعية للنظام السياسي والتماسك والقوة للجماعة في ظل التكوين السياسي الذي يحتضنها.

يمكن القول أن العدل في الإسلام من علل الأحكام ومعايير المواقف وتكوين التصور الإسلامي للحياة والدولة والعلاقة بين الإنسانية وسببية الوجود. وقد أكد الإمام الحنبلي ابن تيمية على ذلك بالقول: "لهذا كان العدل أمرا واجبا في كل شئ وعلى كل أحد، والظلم محرما في كل شئ ولكل أحد، فلا يحل ظلم أحد أصلا سواء كان مسلما أو كافرا أو كان ظالما"، وقد ذهب في "الحسبة في الإسلام" للقول: "إن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة". وقال تلميذه ابن القيم الجوزية: "إن الله أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به السموات والأرض، فإذا ظهرت إمارات العدل وأسفر صبحه بأي طريق فثم شرع الله ودينه ورضاه من أمره".

من المعروف أن هناك 28 آية في القرآن الكريم تتناول مباشرة لفظ العدل، أما تلك التي تضمنت مفهوم العدل والظلم فتفوق الألف عددا.

في تحليل أصيل للعلاقة بين الإسلام والعدل، كتب العلامة مرتضى مطهري: "إن أصل العدل من المعايير الإسلامية التي ينبغي أن نقيس بها الأشياء. فالعدل من مجموع علل الأحكام، وليس من المعلولات. كذلك فهو لا يعني أن كل ما قاله الدين عدل. بل أن كل ما هو عدل يصّدقه الدين. هذا هو مقياس العدالة في فهم الدين. إذا ينبغي علينا البحث لنرى هل إن الدين مقياس العدالة أو إن العدالة هي مقياس الدين؟ فالتقديس يقتضي القول إن الدين مقياس العدالة. إلا أن الحقيقة ليست كذلك. فهو نظير لذلك الذي بحث في باب الحسن والقبح العقليين لدى المتكلمين، حيث صنف على ضوئه الشيعة والمعتزلة بأنهم من العدلية. أي اعتبروا العدل مقياس الدين، وليس الدين مقياس العدل".

حتى لا ندخل في الحوار الإسلامي-الإسلامي التاريخي، الذي ساوى في الإطلاق الدين والعدل، نسارع للقول بأننا نميل لعدم اعتبار العدل معطى نهائيا وأزليا ومنجزا، بل نسبي وغير مكتمل وناقص بالضرورة. ولو أنه يعتمد في مرجعياته حينا على مفاهيم مطلقة، كما هو الحال في المرجع الديني، أو مجردة، كما هو حال العديد من المدارس الفلسفية. من هنا اختلاف مناهج إقامة العدل في الشكل والمضمون والبنية والوظيفة فيما يضعنا باستمرار أمام عالم متكامل من النظم والمؤسسات والعلاقات والإجراءات الفاعلة في التاريخ. وإن كان موضوع محاضرتنا اليوم ينحصر في الاختيار الدستوري لإقامة العدل، فقد لاحظنا، من خلال الطابع العالمي لرصد النظم السياسية من وجهة نظر حقوق الإنسان، أن إقامة العدل قد تتم عبر خيارات أخرى وإن شكلت فكرة الدستور قاسما مشتركا لأغلبية دول العالم اليوم.

يمكن القول أن الدستور تعبير سياسي دنيوي لإقامة العدل، بمعنى تعذر اختزال العدل في الدستور أو الحقوق الوضعية. لأن هذا الدستور والحقوق تتصل عند الناس بما يعتبر ترجمة للعدل في مكان وزمان وفي أطر ومواضيع محددة. فمن العدل عند المسلم أن الله واحد أحد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفء أحد. وليس من القوة لأي دستور أن يحمل هذا الثقل الإيماني والأمانة الأزلية وثبات الفكرة. فالدستور بطبعه وشكله ومفهومه ad hoc، أي ناقص ومحدود ومقيد بالضرورات وبعنصري الزمان والمكان والتقدم الاجتماعي.

أسس الإسلام في "الصحيفة" لأول عهد مدني في التاريخ الإسلامي، فهي ليست من القرآن الكريم أو الحديث الشريف وإنما عهد بين سكان مدينة لتنظيم شؤون الحياة فيها أقره النبي محمد (صل الله علية وسلم ) مع غير المسلمين من سكانها (بين آب/أغسطس 622 وحزيران/يونيو 624 أي ما بين أول الهجرة ونهاية سنتها الثانية). وقد أقرت الصحيفة بالمساواة الإسمية في الحقوق والواجبات بين العصبات المسلمة والعصبات اليهودية وقاعدة المناصرة في الحرب وعلاقات البر والنصيحة دون الإثم في السلم. وجاء مفهوم الذمة، أي العهد والأمان والضمان والحرمة والحق (كما يعرف ابن منظور في لسان العرب) ليؤسس لمبدأ رفض الدنية أو الظلم.

وضع القرآن الكريم الأساس لحضارة التوحيد والتكريم، بالتأكيد على الكرامة الإنسانية وكرامة الاستخلاف وكرامة الإيمان وكرامة المبادرة (أي الربط الدائم بين إعمال العقل وإطلاق الفعل  واللحمة الضرورية بين القول والعمل). وإن كان مفهوم الحق القرآني قد أسس لحق الحياة والتفكير والاعتقاد والإنجاب والتملك، فقد جعل الأصل في الأشياء الإباحة وربط  الحقوق والحريات بدرء المفاسد، أي بلغتنا المعاصرة: محاربة الفساد ومقاومة الاستبداد. حيث أسس نقد الأنموذج الفرعوني للحكم لنقد الطغيان من أي سلطان، وجعل من غير الممكن، بأية مسوغات، الترخيص للرشوة والمحاباة والغش والظلم في المعاملة والاحتكار في الأموال والغدر في الجهد والعقود والعهود. الأمر الذي يجعلنا نشاطر الرأي ابن عربي والكواكبي والعلايلي في أن ما يخالف محاربة الفساد ومقاومة الاستبداد في الأثر إنما هو بضاعة وضعها أئمة الاستبداد للسلاطين.

لم تكن الخلافة بعد الراشدية دائما في مستوى الفكرة القانونية والزخم الأخلاقي والإيماني الذي حماها، فتأخرت مبادئ التعاقد عوضا عن أن تتقدم، وتصدر الفقه السياسي ضمان الطاعة للخليفة لا ضمان العدالة للأمة، فيما أضعف مفاهيم الشورى وعزز الطابع الاستبدادي للدولة وأدخل موضوع الخارجين عن النواة العربية و/أو الإسلامية والأقليات في حيز المزايدات أو البحث عن كبش فداء هنا وخصم يغطي أزمات الحاكم هناك أو موضوع مزايدة عقائدية.

لم ينج المجتمع الإسلامي من فكرة المزايدة، وقد كان لوفاة حامل الرسالة الإسلامية ثلاثة أبعاد متباينة الدلالة بالغة الأثر على التصور والبناء الإيديولوجي في الإسلام:

أولها نهاية الإجماع الإسلامي حول صوت الرسول المرجح في أي خلاف، وبالتالي بداية التعددية السياسية والدينية في الإسلام؛

ثانيها نهاية النبوة والوحي وبالتالي رفع صفة القداسة عن الفعل الإنساني؛

وثالثها، وهو الأخطر، تقمص الدعوة السياسية أو الدينية لثوب الحاكمية الإلهية.

لقد سعت الاتجاهات المتطرفة والدوغمائية لتعزيز البعد الثالث باستمرار على حساب الأول والثاني، ومن حِكَم الدهر، أن أول تعبير عن ذلك، كان في المزايدة العقائدية على الإمام علي بن أبي طالب من قبل الخوارج. هذه المزايدة، الخارجة عن المنطق الإيماني والتاريخي كلاهما، والتي صارت سنة لكل من يدّعي لنفسه النجاة ولغيره الضلالة، أسهمت في إبعاد الأمة عن السلطة والسيادة ومبدأ إقامة العدل لصالح الخليفة الذي خرج من نطاق الاختيار والمراقبة والمحاسبة والمشاركة والعزل، أي أهم سمات المجتمع المدني الإسلامي الأول. الأمر الذي أخّر بروز مفهوم الذمة كحق تاريخي يترجم اليوم عند أهل الإصلاح بالذمة المتساوية والجماعية لأبناء المجتمع تجاه الدولة، أية دولة. ذمة بمعنى الحق في حفظ النفس وحرية الرأي والمعتقد وحق المقاومة والمساواة أمام القانون لكل إنسان.

كما خانت الدولة الإسلامية القرون وسطية أمانة الدين فيها، أي مبدأ إقامة العدل في حضارة التوحيد والتكريم، فعلت الدولة الحديثة مع قيم عصر التنوير التي أسست لحقوق الإنسان والحريات الأساسية، فجعلت مبدأها السيادة وإعلاء شأن الأمة أو الشعب وليس العدل، ولم تتوخ الدولة الحديثة إشاعة الحق في الأرض بل السلم الاجتماعي، أي الأمن والنظام.. أي أنها جعلت العدل الذي تتوخاه الدولة هو العدل الذي يخدم سيادة الدولة.. وعندما جرى مسخ هذا الأنموذج في بلدان الجنوب أصبح من الأصح القول أن مفهوم العدل قد طمس في عملية تأميم السلطة للدولة والإيديولوجيا السائدة كلاهما، فيما أضاع العدالة وأعطب السيادة.

من هنا آثرتُ أن تكون مرجعية النقاش اليوم الشريعة الإسلامية والشرعة الدولية، باعتبار أن أئمة السلاطين ومنطق الدولة الحديثة كلاهما قد تآمر على فكرة إقامة العدل، بنسب ووسائل مختلفة.

لم يناقش المسلمون في القرن التاسع عشر الطابع الشرعي للدستور، على العكس من ذلك اعتبر الدستور التونسي (1861م) ومن بعده العثماني (1878م) من عاديات العمران والسياسة الشرعية في آراء العلماء في ذلك الوقت. وكانت القفزة النوعية عند بعض المفكرين المسلمين في فك الارتباط بين الدولة المستبدة والدستور، الأمر الذي أخذ مداه في كتابات عبد الرحمن الكواكبي الذي اعتبر الاستبداد أصل الداء والشورى الدستورية الدواء. البلية في فكر الكواكبي لإذن في فقدان الحرية التي يعرفها بالقول: "أن يكون الإنسان مختارا في قوله وفعله لا يعترضه مانع ظالم".. "ومن فروع الحرية تساوي الحقوق، ومحاسبة الحكام باعتبار أنهم وكلاء، وعدم الرهبة في المطالبة وبذل النصيحة، ومنها حرية التعليم وحرية الخطابة والمطبوعات، وحرية المباحثات العلمية، ومنها العدالة بأسرها، حتى لا يخشى إنسان من ظالم أو غاصب. ومنها الأمن على الدين والأرواح والأمن على الشرف والأعراض والأمن على العلم واستثماره فالحرية هي روح الدين". وليس هناك أي تناقض عند الكواكبي بين الإسلام والحرية لأن "الإسلامية مؤسسة على أصول الحرية برفعها كل سيطرة وتحكم، بأمرها بالعدل والمساواة والقسط والإخاء، بحضها على الإحسان والتحابب".

وكما أسس عبد الرحمن الكواكبي (1854-1902م) لفكرة دولة العدل والشورى في بلاد الشام ومصر، لعب شيخ المجتهدين الميرزا محمد حسين النجفي النائيني  هذا الدور في العراق وإيران في خضم الصراع الفكري بين أنصار المستبدة من جهة وأنصار المشروطية أي الدستورية من جهة ثانية. فصاغ في عام 1909 وثيقته الفقهية الشهيرة "تنبيه الأمة وتنزيه الملة" التي تعتبر ولاية الأمة على نفسها شأن سياسي لا شأن شرعي، ليس بمعنى التناقض وإنما في ضرورة التقييد. لأن إطلاق السلطان للإنسان منتج للاستبداد والفساد مهما كانت اليافطة التي يحملها الحاكم، من هنا ضرورة تقييد السلطة بمجلس شورى منتخب ودستور يحدد حقوق وواجبات الدولة. ويختصر النائيني علة التكوين السياسي باغتصاب الحرية وتغييب قانون المساواة "فروح استبداد الدولة الغاصبة عبارة عن اغتصاب هذه الحرية، ومشروطية الدولة عبارة عن انتزاعها من غاصبها لا غير". أما قانون المساواة فهو "من أشرف القوانين المأخوذة عن السياسات الإسلامية بل هو مبنى العدالة وأساسها وروح تلك القوانين".

تعتبر المدرسة الفكرية التي نؤسس لها في اللجنة العربية لحقوق الإنسان نفسها جزءا من شجرة النسب الحريصة على اكتشاف مقومات الكرامة الإنسانية في الثقافة العربية والإسلامية والتفاعل مع الحركة الدولية الناشطة في صفوف المجتمعات المدنية لتأسيس عالمية أخلاقية في وجه عولمة السيطرة، وتؤكد على ضرورة وجود قواعد مرجعية في عالم تهان فيه القواعد، وعهود ذمة عامة في وجود لا ذمة له. وتقوم مبادئ التأسيس على التساوي في الذات الاعتبارية والتساوي في مفهوم الشخص والتساوي في مكونات والحق في معالجة إشكاليات العلاقة بين المجتمع والدولة.

أما دفاعنا عن عالمية حقوق الإنسان، فيرتبط بسعينا الدائم للعثور على نقاط القوة والتشابه في منظومات القيم الثقافية والاجتماعية التي تسمح بالتقارب بين الشعوب واكتشاف جملة المبادئ القادرة على الإسهام في حماية الإنسان والبيئة. وكما تطرح التيارات الفكرية الكبرى أسئلتها علينا باستمرار، نطرح على أنفسنا وعليها سؤالا فلسفيا صغيرا يمكن عبر البحث المشترك ع إجابات له أن نزرع مقومات ثقة بالعدالة وقوتها المجتمعية:

"كيف يكون الإنسان في الوقت نفسه مختلفا عن كل الأشخاص، مشابها لأشخاص معينين ومشابها لكل البشر؟".

هذا السؤال يسمح لنا بالتمييز بين الاختلاف الطبيعي بين الثقافات والحق المشترك في الحريات الأساسية والكرامة. يجعلنا نرفض الخلط التعسفي بين تباين المنظومات القضائية الطبيعي (خير مثل لذلك وجود منظومة أنجلو سكسونية، منظومة لاتينية وأخرى عربية و/أو إسلامية..) وبين ضرورة توفير كل واحدة منها لمبادئ استقلال القضاء وحقوق الأشخاص والضمانات الواقية من العسف. وليس سرا القول: ليس هناك من خطر على الخصوصيات الخلاقة والمعطاءة من حقوق الإنسان، كون هذه الحقوق تؤكد على المساواة وحق الاختلاف بين الثقافات والشعوب. الخطر الحقيقي هو حرمان هذه الشعوب من حقوقها الأولية باسم أية خصوصية يتم تفصيلها على قّد امتيازات السلطة السياسية هنا أو السلطات التسلطية المجتمعية هناك بل وأية عالمية موظفة للهيمنة على حساب المبادئ.

بهذا المعنى، يلتقي الفكر الإسلامي مع المبادئ العالمية لحقوق الإنسان في الدافع، ويعتبر كلاهما العدل معيارا للحقوق الوضعية، وأخلاقية الواسطة من مقومات البعد الأخلاقي للغاية، ورفضهما الخضوع لمبدأ موازين القوى والعقلية الأمنية لبناء الدولة ومقاومة منطق الهيمنة. وقد أكد الإسلاميون والعلمانيون والحقوقيون السوريون المجتمعون في مؤتمر الحوار الوطني (آب/أغسطس 2002) على إمكانية إعادة الاعتبار للمشاركة في الشأن العام وإقامة دولة القانون في برنامج ديمقراطي يجمع بين فكرة التكريم الإسلامية والحقوق الإنسانية بهدف إقامة العدل في الكيان السياسي.

في هذه التجربة المتواضعة، جاء الحوار على آلام الوطن والمواطن وعجز الدستور، حتى بشكله المسخ ومضمونه المكبل في حال احترامه، عن تحقيق وحدة الانتماء والتعرف على الذات من خلال الدولة ومؤسساتها وقوانينها. أي أن الدستور لم يكن الدواء السحري عندما تم تأميمه من قبل السلطة التي صادرت قبله السلطة التشريعية والسلطة القضائية ومؤسسات الدولة والفضاء السياسي والمدني في البلاد.

لا أذكر هذا المثل، الذي نشاهده أيضا في تونس والجزائر والمغرب وغيرها لأوزع العلقم في يوم العيد، ولكن للتنبيه من خطرين على الاختيار الدستوري لإقامة العدل:

-    الأول يلخص به محمد حافظ يعقوب فكرة لعمانوئيل كانت بالقول:"الويل للمشرع الذي يريد أن يؤسس بالإكراه دستورا ينحو نحو غايات خلقية، ذلك أنه لا يكتفي بتأسيس الخوف من الدستور فقط، بل هو يعطب دستوره نفسه ويعرضه لعدم الأمن".

-    أما الثاني: فحذار من اعتبار الدستور أداة لإقامة العدل في ذاته ومن أجل ذاته. وإنما هو وسيلة من وسائل تنظيم إقامة العدل في المجتمع تحتاج إلى ثلاث مبادئ أساسية لتوزيع الحلوى بدل العلقم يوم إقراره:

المبدأ الأول: مبدأ المشاركة في عملية البناء الدستورية والوعي السياسي لدولة دستورية.

المبدأ الثاني: مبدأ تقييد العسف بالمعنى الثقافي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي.

المبدأ الثالث: مبدأ الدينامية في التعامل مع الدستور باعتباره نصا بشريا غير مقدس يحتاج إلى التهذيب والتحسين كلما تطلبت الحاجة المجتمعية ذلك.

أما في حيثيات المبدأ الأول، فنلاحظ أن لجان إعداد الدستور تتشكل بعدة طرق، أكثرها ديمقراطية يكون في الانتخاب المباشر، وأقلها بالتسمية بقرار من رئيس السلطة التنفيذية. وبين هذا وذاك، يوجد الانتخاب غير المباشر من هيئات منتخبة والمزج بين التسمية والانتخاب. وقد عرفت دول الخليج نماذج مختلفة منها المجلس التأسيسي المنتخب بالاقتراع العام السري المباشر مع تعيين لأقل من الثلث (البحرين 1972) أو القرار الأميري بالتسمية كما حدث في قطر عام 1999.

تأتي خطوة التفاعل بين لجان إعداد الدساتير ومجتمعاتها لتقلل من الجانب التكنوقرطي لعمل اللجان وتوسيع هامش الحقوق التي يبصرها المعنيون بها مباشرة أكثر من الأخصائيين (إذا تحدثنا من منطلق حسن النية ولم نذهب للحديث عن البطانة ومصالحها وتلغيم الدستور بعسف السلطة التنفيذية). فأي حوار وطني حول الدستور يحتاج لتفعيل المواطنة وإطلاق الحريات الأساسية ورفض ثقافة الخوف وتعميم الحق في المبادرة، كما يحتاج إلى الوقت لإنضاج الأفكار وتعميق وتأصيل حقوق المعنيين وتوضيح تخوم السلطات وتعزيز فكرة المشاركة، في المجتمع كما في علم النفس، يصح تكرار جملة بياجيه: "الإتزان يحتاج إلى الوقت، وهذا الوقت يقدره المعني به أكثر من أي تحديد مسبق".

وفي المبدأ الثاني، من الضروري التذكير أن الدستور في أصله فكرة جاءت للحد من السلطة المطلقة للحكام. وبالتالي يشكل القسم المتعلق بفصل السلطات واستقلال القضاء والحقوق والحريات جهاز المناعة الضروري لجسم الدستور، في حين يعطي تحديد السلطة التنفيذية ورصد قدرتها على التصرف بالبلاد والعباد "الوسمة" التي تطلق على أي دستور: فما هي صلاحيات رئيس الدولة في التصرف في هذا الدستور وكيف؟ ما هي إمكانية السلطة التنفيذية على تحجيم دور السلطتين القضائية والتشريعية؟ ما هي حدود التصرف بالمال العام؟ ما هي حدود التصرف بالسيادة الوطنية؟

هذه الأسئلة وعشرات من مثيلاتها يمكن أن نقرأ منها دور الدستور في صيانة الحقوق وضمان الحريات وحماية السيادة.

في الدول العربية هناك باستمرار مشكلة دستورية مع حالة الطوارئ، فدول الخليج تعطي إعلانها للأمير أو الملك، ودول البعث أعطت رفعها للرئيس وأخرى أعطت الإعلان والرفع لرأس السلطة التنفيذية. ويمكن القول أن هذا الضعف العربي في صلب استبداد الدولة العربية الحديثة وعجزها عن الثقة بفصل السلطات والعلاقات الدستورية بين المواطن والحاكم وحاجتها باستمرار لعصا حالة الطوارئ تلوح بها أو تستعملها مباشرة.

يلأتي مبدأ الدينامية في الدستور وفي التعامل معه من منطلق أن أي دستور هو بالضرورة عمل غير منجز وليس من معنى لأن يكون نهائي الصيغة. فبقدر ما يؤصل للديمومة والثبات، بقدر ما تبعده هذه الجمودية عن المجتمع والتقدم والقدرة على الاستجابة لمبررات وجوده. ولعل من أسوأ الدساتير في جمودها الدستور الدائم في سورية الذي أغلق بالتعسف دائرة الجمود فوضع بيد رأس السلطة أربع أخماس الغنائم وأمسك بما تبقى لحاشيته. بحيث يعبر الدستور اليوم، بعد 30 عاما على ولادته، عن إيديولوجية غير موجودة في العقول أو الوقائع ولا يتعمل مفرداتها أي من المسؤولين، ومرغم هذا الفصام بين ديباجة الدستور والواقع، لم يغير في هذا الدستور إلا ما يسمح للجنرال بالبقاء مدى الحياة رئيسا وما يسمح لابنه بتولي السلطة من بعده.

ويمكن القول أيضا أن دساتير الكويت والبحرين (1972 و 2002) وقطر تنتسب لما يعرف بفئة الدساتير الجامدة لأنها تشترط لتعديلها شروطا وإجراءات خاصة  أكثر شدة من الشروط المقررة لتعديل القوانين العادية. وقد أقر دستور البحرين مبدأ الجمود المؤقت الشامل لمدة خمس سنوات في حين نصت المادة 148 من الدستور الدائم لدولة قطر على التجميد الشامل لمدة عشر سنوات وهو رقم قياسي في منع التعديل.

وهناك ما يعرف بالحظر الموضوعي مثل المادة 104 فقرة ج من دستور البحرين 1972 التي تقول "مبدأ الحكم الوراثي لا يجوز اقتراح تعديله وكذلك مبادئ الحرية والمساواة المقررة في هذا الدستور كما لا يجوز اقتراح تعديل المادة الثانية منه. ويسري الحال على الأحكام الخاصة بحكم الدولة ووراثته في الدستور القطري (المادة 145).

في حين ينص الحظر الإيجابي على اشتراط تعميق مفهوم أو تعزيز حق وقد نص عليه الدستور الكويتي في ضمانات الحرية والمساواة وجاء في دستور قطر: "الأحكام الخاصة بالحقوق والحريات العامة لا يجوز طلب تعديلها إلا في الحدود التي يكون الغرض منها منح مزيد من الحقوق والضمانات لصالح المواطن" (المادة 146).

ولكن السؤال الهام والعملي: هل يعني وجود دستور مفقيد للحقوق أو جامد في بعض مقوماته أن من الصعب صيرورة الدستور إلى عقد مقبول ومنظم للعلاقة بين مكونات المجتمع والدولة؟

سألني أحد المواطنين القطريين بالأمس: ماذا كنت تفعل بعد الاستفتاء لو كنت قطريا؟

بعد التصويت على أي دستور، يوجد حكما المواجهة بين النص والواقع، ويوجد طموح التنفيذ الذي يفترض أن يشكل هاجسا رئيسيا عند كل مهتم بالشأن العام. أما القسم الأول، فهو مسؤولية عامة وموزعة على الجميع. وبهذا المعنى سيخلق الاختيار لأسلوب قراءة مجتمعية ثقافية على حساب القراءة القانونية مشكلات بحاجة لحلول جريئة وإجابات مسؤولة. الأمر الذي يتطلب تواصلا بين المسؤول والمختص والمواطن.

أما القسم الثاني فيتناول كل ما هو محال إلى القانون، باعتبار هذه الإحالة، إن كانت تشكل نقطة ضعف قبل الاستفتاء، فمن المفترض أن تتحول إلى نقطة قوة بعده، فالقوانين التي ستنظم الحقوق والواجبات في أربعة عشر مادة على الأقل ستحدد سقف الحريات ومكتسبات المجتمع وهامش المشاركة في صنع المستقبل. فبقدر ما يجري رفض مبدأ التقييد في حرية التنظيمات سياسية كانت أم نقابية أم اجتماعية أم ثقافية، وبقدر ما تتفاعل السلطة التنفيذية مع مكونات المجتمع المختلفة نحو إطلاق الحقوق والحريات، بقدر ما تحدد من سلبيات الدستور ومخاطر الفصام المجتمعي معه. وبقدر ما تغلق الأبواب أمام مقومات بناء مجتمع مدني وسياسي قادر على المحاسبة والعطاء والإفراز الدائم للكوادر، بقدر ما يفتح الباب للتهميش والاستقصاء، وبالتالي الخروج عن القانون كوسيلة من وسائل التعبير التي لم تنجح دولة القانون في جعله عاما وشاملا لكل أفراد المجتمع دون استثناء.

وتظهر تجارب الشعوب مع الاختيار الدستوري أن قدرة السلطة التنفيذية على تجديد نفسها من الكفاءات المجتمعية وقدرتها على استيعاب حقوق الآخرين وقدرتها على التعامل بحكمة وتوازن مع السلطتين التشريعية والقضائية من جهة، ومع أشكال السلطة المضادة المختلفة. فمن البديهي، أن أي جهاز سلطوي، هو بطبعه فاسد ومفسد، إذا لم تكن لديه الإرادة السياسية لتفعيل الأشكال الرئيسية لتقييد ومحاسبة السلطة التنفيذية، وكل مجتمع ينسى واجبه في ملاحظة ومحاسبة السلطة التنفيذية، يشارك مباشرة أو بشكل غير مباشر في إطلاق وإفساد من يحكمه.

  حقوق الإنسان والسياسة

الدكتورة فيوليت داغر

ملاحظات منهجية حول الإصلاح السياسي وحقوق الإنسان في العالم العربي

  لأهمية هذه المحاضرة للدكتورة فيوليت داغر رئيسة اللجنة العربية لحقوق الإنسان في موضوع هذا القسم ارتأينا ضمها لهذا الكتاب.

 لا تدعي هذه الأسطر الإلمام بموضوع شائك ومعقد، موضوع العلاقة بين المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان والتغيير السياسي في بلد محدد، لكنها ستحاول القيام بمراجعة سريعة لبعض التجارب ووجهات النظر التي عرفها العالم العربي في العقود الثلاثة الأخيرة. عبر هذه القراءة ستحاول استقراء بعض الاستنتاجات الأولية.

يمكن القول أن أول اندماج في الإصلاح السياسي لمنظمة حقوق إنسان كان ذلك الذي قامت به الرابطة السورية للدفاع عن حقوق الإنسان بوقوفها مع التحرك النقابي والديمقراطي في عام 1980 مع ما ترتب على ذلك من توجيه ضربة قاضية لها من قبل السلطة السورية بعد إضراب اليوم الواحد في 31 مارس/آذار 1980. كان من الملاحظ مدى التقاطع، حتى لا نقول التطابق، بين برنامج الرابطة عشية الإعتقالات وبرنامج التجمع الوطني الديمقراطي من جهة والنقابات المهنية الحرة من جهة ثانية، ذلك رغم الاستقلال التام بالأشخاص بين القيادات السياسية والحقوقية.

بعد هذا الحدث، سجل المحامي جوزيف مغيزل ثاني تجربة تخوض فيها منظمة حقوق إنسان في دور سياسي مباشر. فمن صلب الحزب الديمقراطي الذي سبق وأسسه طرح عدة مسائل في برنامج الجمعية اللبنانية لحقوق الإنسان في 1985. من هذه المسائل علمانية الدولة والقانون الاختياري المدني للأحوال الشخصية والتحالف مع الحركة الوطنية ضد الاحتلال الإسرائيلي والمشاركة في الفعاليات السياسية. توج الأستاذ مغيزل هذا الخيار بترشيحه للنيابة وانتخابه نائبا في انتخابات قاطعتها عدة قوى سياسية وسجلت عدة احتجاجات بما يخص نزاهتها. لقد احتفظ وقتها مغيزل  بمركزه كرئيس للجمعية اللبنانية لحقوق الإنسان مع مقعده النيابي.

أمثلة أخرى على هذا الموضوع تطالعنا في الجزائر والسودان وتونس والمغرب ومصر.

من الضروري التوقف عند الجزائر وتونس لما في هاتين التجربتين من فرادة. ففي الجزائر طرح السؤال من جديد عند مشاركة الأستاذ علي يحيي عبد النور في مؤتمر روما عام 1995 ، ومن ثم انتخابه ناطقا رسميا باسم جماعة روما مع احتفاظه بمنصبه كرئيس للرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان. اعترض مدافعون عن حقوق الإنسان على الجمع بين المهمتين منهم هيثم مناع الذي يذكر سببين في مداخلة له في نهاية 1995 هما:

1-إن هناك أطرافا في اتفاقية روما لم تتخل عن العمل المسلح، ما يمكن أن يخلقه ذلك من خلط بين حقوق الإنسان واستعمال العنف.

2-إن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي وقعت تتطلب منظمات غير حكومية قوية ومستقلة للدفاع عن الضحايا.

وقد اقترح وقتها أن يصبح بن يحيي رئيسا فخريا للرابطة، تجنبا لجمع المهمتين، أو أن يتوقف دوره عند منسق في المؤتمر وموجه لخطه السياسي فيما ينسجم مع الشرعة الدولية لحقوق الإنسان.

ردا على مناع، كان هناك رأي آخر يقول بأن بقاء علي يحيي في موقع المسؤولية المزدوج ضمان لاقتراب أكبر لأنصار روما من حقوق الإنسان. وهذا ما جرى تاريخيا في فرنسا عندما كانت الرابطة الفرنسية لحقوق الإنسان في صلب مشروع الجبهة الشعبية قبل الحرب العالمية الثانية.

نجد في السودان مثلا مشابها لمثل الجزائر عبر شخص الأستاذ فاروق أبو عيسى، الناطق الرسمي باسم التجمع الوطني الديمقراطي في السودان. الفارق هنا هو في كون مواقع الأخير في منظمات إقليمية لا في رئاسة منظمة سودانية لحقوق الإنسان.

يمكن اعتبار التجربة التونسية بإيجابياتها وسلبياتها مثلا لعدم جمع المهمتين على الأقل من الناحية الاسمية. فقد تولى الوزارة من تولاها بعد خروجه من مواقع المسؤولية في الرابطة، كذلك رشح للنيابة من رشح بعد تركه قيادة الرابطة. وهذا حال الدكتور منصف المرزوقي الذي رشح نفسه لانتخابات الرئاسة في مواجهة مفتوحة مع الطابع التعسفي للسلطة بعد تركه قيادة الرابطة.

الجديد في التجربة التونسية بدأ مع ولادة المجلس الوطني من أجل الحريات. هذا المجلس، وإن كان قد توجه نحو السلطات للحصول على ترخيص من أجل العمل كجمعية غير حكومية، إلا أنه في صلب معركة تفكيك السلطة التعسفية والإصلاح السياسي والتغيير الديمقراطي. توضح ذلك من خلال الشحنة التي أعطاها للمنظمات غير الحكومية الأخرى من جهة والمهمات التي يطرحها على نفسه من جهة أخرى (بما فيه مهمة المؤتمر الوطني التي تتجاوز المفهوم التقليدي لعمل منظمات حقوق الإنسان).

من قراءة مشروع المنظمات المصرية حول الإصلاح الديمقراطي قبل عامين، والتوقف على عمل المنظمات الفلسطينية من أجل دستور ديمقراطي في فلسطين (مثلا ندوة الميزان الأخيرة في أيلول الفائت ودراسة الحق حول القضاء في فلسطين)، وكذلك ما تقوم به اللجنة العربية لحقوق الإنسان لإصدار دراسات في الإصلاح السياسي وحقوق الإنسان، نلاحظ أن مسألة الإصلاح السياسي لم تعد غريبة عن المنظمات الكفاحية لحقوق الإنسان.

إذن من جملة الأسئلة المطروحة علينا اليوم:

1-هل بالإمكان توفير خوض معركة الإصلاح السياسي والركون وراء صيغة تقوم على حماية المنظمة قبل حماية المجتمع وترتيب الأولويات على أساس التواجد التنظيمي في حد ذاته ؟

2-ألسنا معنيون بالمشكلات المباشرة للعمل السياسي مثل فصل السلطات وتفعيل وسائل المحاسبة والفساد ودمقرطة الدساتير والقوانين كما نحن معنيون بالاعتقال التعسفي والاختفاء والتعذيب الخ ؟

3-كيف يمكن التوفيق بين طبيعتنا كسلطة مضادة والاحتمال القائم في الفرز المستمر لكوادر من حركة حقوق الإنسان لعالم السياسة والسلطة السياسية ؟

إن تعريفنا للمنظمة غير الحكومية لحقوق الإنسان كسلطة مضادة يشمل في جوهره مراقبة كافة مؤسسات السلطة التنفيذية وعلاقتها بالسلطات الأخرى من جهة والمجتمع من جهة ثانية. فكيف يمكن تصور منظمة حقوق إنسان تغض النظر عن طرق تنصيب الحكام والمسؤولين وتغمض العين عن تجاوزات المؤسسات الأمنية وتتهاون في تشريح طبيعة العسف السياسي وتدعي حماية الأفراد والجماعات في الوقت نفسه. هل من الضروري التذكير أن صحافة موسوليني كانت تنتقد انتهاك الحريات في الدول التي تحاربها. ومثل الخلافات السورية العراقية خلال 30 سنة وكيف يحتضن كل منهما لجنة للدفاع عن حقوق الإنسان عند الآخر معبر جدا على صعيد المصداقية والتوظيف والاحتواء. وإن كنا بالفعل منسجمين مع أنفسنا فلا بد لنا من خط منسجم داخل وخارج حدود بلداننا من جهة ومع العسف بكل أساليبه وأشكاله من جهة ثانية.

ليس لدي إجابة حاسمة على هذه الأسئلة، لكنني اقترح صيغة منهجية للتعاطي معها بشكل يسمح للمنظمات غير الحكومية بتناول الحقوق الأساسية الستة (المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية) دون أن تجد في كل يوم من يشكك في نزاهتها النضالية أو من يوظف الحقوقي لصالح الحزبي أو يخلط بين مشروع السلطة والسلطة المضادة. هذه الصيغة تقوم على عدم الجمع بين المهمات القيادية السياسية والحقوقية. فكل إنسان كائن سياسي واجتماعي لا جدال في ذلك، والحديث عن منظمات غير سياسية ليس دقيقا بقدر ما هو دقيق الحديث عن منظمات غير متحزبة (non partisane). لا شك بأن السياسة بالمعنى السياسوي هي التي تبتعد بتحالفاتها وحرتقاتها عن السياسة بالمعنى النبيل للكلمة، كمشاركة في هموم ومشاكل المجتمع. بهذا المعنى يكون دورنا إسماع صوت من لا صوت له في المجتمع، وبالتالي دور من يؤثر الدفاع عن الأقلية المظلومة وعن الفرد المخنوق ولو لم تكن قضيته مصدر رضى الأغلبية العددية في لحظة ما. ومن الضروري أخذ المبادرات والمشاركة في المبادرات السياسية الطابع في الدول التسلطية لأننا طرف أساسي في التخلص من الدكتاتورية وعملية البناء الديمقراطي. فنحن قوة اقتراح هامة تأخذ بعين الاعتبار المبادئ قبل المصالح الآنية وقوة مراقبة على التعبيرات السياسية في برامجها وتصرفاتها ومنسق أساسي في كل ظروف الأزمات حيث يغيب الوسيط القادر على تثبيط العنف. ونحن بالضرورة في معسكر الديمقراطيين لمناهضة العسف وإن كان دورنا باستمرار أن نكون يقظين لمدى احترامهم لمبادئهم المعلنة ولحقوق الأشخاص والجماعات في برامجهم وممارساتهم. ومن حقنا كمواطنين التصويت واختيار من نريد كأفراد وتحديد مواقفنا بما ينسجم مع قناعاتنا فرديا أو جماعيا، كذلك من حقنا كأفراد أن نشارك مباشرة في العمل السياسي على أن لا نشغل في وقت واحد دور المراقب والمشارك، أي أن لا نكرر ما تفعله السلطات التعسفية التي تحدد المرشح وتعود لمبايعته وتطالب الناس بفعل ذلك تحت رقابتها..

من السابق لأوانه القول أن حركة حقوق الإنسان هي المولد الجديد لدينامية إعادة تكون التشكيلات السياسية بشكل مباشر أو غير مباشر في أكثر من بلد عربي. لكن في الوقت التي تقدم فيه حركتنا كوادر سياسية نوعية في أكثر من قطر، من الضروري أن نحرص على تحديد التخوم بين السلطة والسلطة المضادة من جهة، وبين السياسة السياسوية والسياسة المواطنية التي تضع الإنسان نصب عينها غاية وحقوقه برنامجا.

الصراع العربي الإسرائيلي

 و تطور الديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم العربي

بالرغم، أو بسبب الحساسية المفرطة لهذا الموضوع،  هناك غياب للدراسات المعمقة في هذا الموضوع (1). و أظن أن السبب عائد إلى أن مسألة كهذه تحتاج أولا إلى مقاربة متعددة الميادين تأخذ بعين الاعتبار :

1- علم نفس الجماهير المعنية بالصراع؛

2- أوليات تكوين الوعي السياسي السائد؛

3-طبيعة تكوين هياكل السلطة في أطراف الصراع و تطور هذه الهياكل و علاقة التطور بالعوامل الداخلية و الخارجية من جهة و التاريخية و المعاصرة من جهة ثانية؛ 

4- آليات (ميكانيزم) تكوين الطبقة السياسية و تجمعات المصالح المختلفة و طبيعة السلطة.

5- العلاقة بين الديمقراطية كمفهوم جاء مع التوسع الكولونيالي الغربي والممارسات التي تعرف الناس من خلالها على هذا الغرب سواء كان ذلك بالأمثلة الاستيطانية أو الاستعمارية.

* فإذا ما تناولنا القضية من وجهة نظر جيو سياسية و استراتيجية أو من وجهة نظر الانعكاسات المباشرة على التركيب المجتمعي يصعب اعتبار العالم العربي وحدة متجانسة في تأثرها بالصراع العربي الإسرائيلي . فمن الضروري تقسيم الدول العربية إلى فضاءات ثلاثة 

1 - المجتمع الفلسطيني الذي شكل هذا الصراع بالنسبة له خطرا وجوديا مباشرا.

2 - دول التماس التي زرعت خارج حدودها قوة استيطانية عسكرية معادية و داخل حدودها مخيمات تأوي ضحايا هذا المشروع الاستيطاني.

3 - باقي الدول العربية  التي تعاملت مع الصراع ضمن منطق سياسوي عام أو تضامني شعبي دون أن تتأثر بنيتها الدولانية ونظامها السياسي، ولو أنها على الصعيد العسكري بقيت جزءا من حسابات التفوق العسكري الإسرائيلي المتفق عليه غربيا.

* أما على صعيد التكوين النفسي و أوليات الوعي الجماعي، فالمسألة مختلفة تماما و لا بد لنا من تناول يقوم اكثر على عنصر الزمان منه على عنصر المكان. و هنا يمكن الحديث عن تواريخ أساسية طبعت  التوجهات العامة للشارع العربي سواء بشكل عام أو في مناطق محددة من العالم العربي : ما قبل 1948 ، ما بعد 1948، 1956-1958 ، 1967 ، 1979 ، 1990. وسنحاول استقراء ما نراه أساسيا مع قناعتنا المسبقة بأن مداخلة واحدة غير كافية للإلمام بكل جوانب الموضوع والإسهاب فيه.

 الصراع العربي الإسرائيلي والنسيج الاجتماعي- السياسي

 حطمت نشأة دولة إسرائيل الخارطة البشرية الطبيعية لشعب فلسطين، وسواء كان عمل المحلل ماركسي النزعة أو فيبيريا، فقد أعيد نمط الحياة نفسه وفق ما آلت إليه حرب 1948 وأصبحت كلمة المخيم جزء لا يتجزأ من الوعي الجماعي من جهة و التركيب الاجتماعي من جهة ثانية. ويشبه المخيم الحياة بعد زلزال ارضي أو بركان فلا أرض و لا سكن و لا زرع ولا مؤسسات. و بهذا المعنى  حطمت ولادة دولة إسرائيل و هزيمة شعب فلسطين ما يمكن تسميته دون حرج بالترف الديمقراطي لحاجة الناس الماسة إلى أوليات البقاء على قيد الحياة.

إن إعادة ترتيب الأوليات هذه قد شلت الطموحات الديمقراطية الضعيفة بالأساس. أما دول التماس  التي خسرت حرب 1948، فقد علت فيها صيحات جيل جديد يعتبر نقص الجاهزية الحربية والاستعداد من أسباب الهزيمة.  الأمر الذي أعطى العسكرة قوة اعتبارية و قيمية كان الضباط بحاجة لها ليثبتوا جدارتهم في قيادة الأمة في الحرب والسلم. ولقد توجهت سورية ومصر باتجاه العسكرة بنسب مختلفة، ثم جنح الأنموذج السوري إلى الإفراط في حجم المؤسسة العسكرية التي اكتشف فيها قاعدة الاستقرار الأقوى لسلطته الهشة. فمنذ 1967 وعملية العسكرة تجري على قدم وساق، بحيث أن قوات الجيش والشرطة العسكرية تتجاوز في سورية النصف مليون شخص. لقد أعادت عملية العسكرة هذه تنظيم العلاقة بين التجمع المصلحي العسكري الحاكم والمجتمع جاعلة من الأخير الرعية الطائعة للأول. واستطاعت السلطة التسلطية العسكرية من لجم أي تحرك باسم المخاطر الخارجية. لن نكشف سرا عسكريا إن أشرنا إلى أن جدارة الجيش لا علاقة لها بهذا التضحم الباثولوجي وأن الوحدات الأحدث تسليحا هي تلك المكلفة بحماية السلطة وليست تلك المسؤولة عن حماية البلاد.

ليس بالإمكان القول أن العسكرة كانت خيارا استراتيجيا ناجحا أو ضروريا من وجهة النظر العسكرية، فأقوى أشكال المواجهة العربية الإسرائيلية كانت على حدود البلد العربي الأقل عسكرة (لبنان). ومنذ 1973 وسورية تعيش في ظل اتفاق وقف إطلاق النار ولم يجر أي اختبار فعلي لقدراتها على الجبهة السورية، وقد كان حضورها في اجتياح 1982 لبيروت مهزليا. لقد كان بإمكان سورية دون أية إشكالية أمن قومي أن تخوض في هامش من الحريات مشابه لذلك المسموح به في لبنان مثلا، إلا أن العقلية والتركيب كلاهما لا ينسجمان مع أية مغامرة تأخذ بعين الاعتبار كرامة المواطن.  ومن المؤكد، أن هذه العسكرة المفروضة على المجتمع قد قضت على أية طموحات للدمقرطة مهما كانت متواضعة.

 من جهته، لم يحتج الملك حسين إلى الإيديولوجية البعثية لفرض استتباب النظام منذ أيلول الأسود وحتى فورة الخبز الأردنية في 1989. إن الصورة الليبرالية الاقتصادية التي تعطيها المملكة في هذه السنوات لا يمكن أن تخفي واقع دولنة أكثر من نصف الاقتصاد المحلي وإمساك الحكم بمفاتيح السلطان السياسي والمالي. و إن كان ولاء البداوة له قد حجم مخاطر التواجد الفلسطيني، فإن هذا التواجد عينه، والذي تضاعف في ستة أيام، هو الذي خلق حالة من "الفوضى" سمحت بين حرب 67 ومأساة أيلول بتجربة غنية للتعدد والحوار والصراعات السياسية والفكرية في المخيمات ومعسكرات العمل الفدائي. لقد فتحت المقاومة الفلسطينية بمجرد وجودها في معسكرات اليأس الجماعية ساقية النقاش الحر من حولها مفجرة  حركة القوميين العرب و الحركة الناصرية والحزب الشيوعي السوري ومنعشة اتجاهات جديدة متعددة. ومن المؤسف أن انحسارها إلى بيروت قد ترافق مع تعزيز أجهزة الأمن على حساب أجهزة الثقافة  بحيث لم يتمكن مجلس أركان الفاكهاني من إعطاء الديمقراطية الأسبقية على التصفيات الجسدية والمؤامرات التنظيمية والتحالفات المخالفة للطبيعة، وكانت علاقة المقاومة التعسفية مع سكان جنوب لبنان من أسباب ردود الفعل العنيفة التي تولدت في الجنوب وأعطت الراية لحركة  أمل وحزب الله، و كلاهما كان ضعيف الإيمان بأهمية الديمقراطية. وتبقى الهمجية الإسرائيلية من أسباب زعزعة ثقة الناس في هذه المنطقة بكل شئ من الأمم المتحدة وحقوق الإنسان إلى القوى العظمى وحتى المنظمات غير الحكومية. فقد جربت إسرائيل كل ما في جعبتها من تشكيل دولة لحزام أمني  لاحتلال كامل لقصف متتابع لعقوبات اقتصادية واجتماعية وصحية  لجدار عازل. و كما قالت فيوليت داغر بمرارة في مداخلة  لها: "منذ عشرين عاما و الطائرات الإسرائيلية تبعث بالقنابل لتعلم أبناء جنوب لبنان طبائع الديمقراطية". 

يصعب الحديث عن تحولات بنيوية في بنية السلطة و الجيش خارج دول الطوق. فالجيش العراقي لم يزد عدده عن 90 ألف مقاتل قبل حرب الخليج الأولى.  أما العسكرة القذافية فمن المثير للسخرية أن نطرحها كعنصر في التوازن الاستراتيجي الإسرائيلي العربي وهي مفيدة أكثر كفزاعة لجمع أموال أبناء الجاليات اليهودية لصالح إسرائيل المهددة منها  لاستعادة شبر من أراضي فلسطين. ولا يزيد حجم المساعدة السعودية برأينا أهمية عن ذلك، فقد دفعت المملكة خوة  لأنظمة ومنظمات لجمت عنها مخاطر الأعمال المسلحة طيلة فترة الهيجان الفلسطيني في المنفى.

 علم نفس الجماهير و تتابع  إفراز النخب 

 أوجدت ولادة إسرائيل في المنطقة العربية صدمة نفسية هائلة على صعيد الوعي الجماعي العربي.  لم يكن بمقدور الإنسان العربي أن يقبل بوجود دولة إسرائيل بأي مقاربة كان، فلا هو مؤمن بوعد التوراة لشعب الله المختار وهو لم يكن طرفا في مشروع الإبادة النازية لليهود وقد سمع من تعلم منه في مدارس المستعمر أن دوله الديمقراطية قد حلت مشكلة الأقليات الدينية في الغرب إضافة إلى علمه بوجود شعب فلسطيني على أرض الميعاد. لم يكن من واجب الخطاب الوطني أن يبصر براءة الأطفال في عيون المشروع الصهيوني، ولم يكن للعلمانيين الراديكاليين أن يقبلوا بدولة قائمة على الأسطورة الدينية وهم ، كما قال حينها الشاعر المصري جورج حنين، يحاربون كل مرجع ديني للدولة. لقد فرض على الشيوعيين الموالين للسوفييت قبول موافقة موسكو لمشروع التقسيم و كانت النتيجة أن هذا الموقف قد همّشهم أكثر مما همّشهم خوف المؤمنين من الشيوعية.

إن الرفض الجماهيري للمشروع الصهيوني رفض حسي يقوم على أساس عقلاني رغم عفويته و يعتمد على إحساس رافض للظلم و شعور بالخطر. كان جدي الفلاح الذي توجه مرارا إلى حيفا للعمل المؤقت  قبل 1948 يحدثنا عن تلك المرحلة بالقول: " ياجدي كنا نشتم رائحة الموت، هالناس عمتشتغل لتحكمنا كلنا". لم يكن من مصلحة  الحركة الصهيونية أن تلجم عقال متطرفيها كما أن حركة التحرر الوطني العربية كانت تحتوي على كل أنواع مرق التوابل. ومن المجحف بحق عناصر الصراع الإقليمية أن نبحث في مملكة سليمان عن نوازع كره غير اليهودي أو في الخلافة الإسلامية عن أصول غياب الطلائع الديمقراطية. فأهم مصادر الاستلهام والتأثر العالمية والإقليمية والتاريخية لم تكن ديمقراطية. وعندما كانت، لم تكن بالقوة الكافية لإقناع مهديي العوام بالضرورة التاريخية للالتئام الاجتماعي في إطار تقاسم السلطة. فهذا المفهوم يعني طبقات الأمس الاجتماعية والسياسية ومناقشة إمكانية التعايش المشترك بين التعبيرات السياسية والمشاريع السياسية المختلفة.  لقد تزامنت نهاية المشروع القرون وسطي المحلي (الخلافة العثمانية) مع تصاعد الاتجاه العالمي للاوتوريتارية الثورية أو العنصرية :  بداية عهد موسوليني (1922) وستالين (1924) وصعود الفاشية في ألمانيا والأزمة الاقتصادية والاتجاهات المتصلبة في الولايات المتحدة. إن التواتر بين صعود الفاشية في أوربة والتفهم العالي لهذه الظاهرة  في الولايات المتحدة مع تواجد اتجاهات قومية غير ديمقراطية قد طبع جيل حركة التحرر القومية الصاعدة الذي سبق و انكشفت هزالة الشعارات الديمقراطية في ممارسات المستعمرين الغربيين. و ليس من الغريب أن نقرأ في الآن نفسه في تقرير لوزارة الخارجية الأمريكية صدر في 1937 : "إن الفاشية تناسب روح إيطاليا " فقد "جلبت النظام بعد الفوضى و الانضباط بعد التسيب و الوفرة بعد الإفلاس ". (2)

إلى أي حد يمكن الحديث عن هوامش ديمقراطية في الحياة اليومية في ظل سلطات الانتداب في سورية الطبيعية ؟ لا شك بأن من المستحيل للقوات الاستعمارية أن تقيم سريعا أجهزة القمع اللازمة  لإخراس البشر خاصة و أن الجهاز العثماني لم يورث جزاريه لأحد. وفي مراحل الانتقال في بناء الكيانات السياسية من قبل قوات أجنبية هناك هوامش متعددة للعمل السياسي، هذه الهوامش ازدادت أهميتها مع بناء طرق المواصلات وإدخال التقنيات الحديثة التي أدمجت العوام في العملية التاريخية عبر وسائل  لم يبذلوا عسير جهد للحصول عليها. و بذلك غزت القرى السهلية و الجبلية المدن حاملة معها كما يقول محمد حافظ يعقوب أحقادها الصغيرة ويقظتها التي لا تميز بين تصفية الحساب القروي أو الطائفي والمشروع الحضاري(3 ). أما في بوتقة الصراع المباشرة، فلسطين، فيمكن القول أن الصراع الوجودي قد فرض أولوياته بحيث لم يكن تعبير تطور الديمقراطية في فلسطين ذي دلالة أساسية، في حديثه عن تلك الحقبة كتب جول ميجدال: "في فترة الانتداب البريطاني على فلسطين، فان الصراع المتواصل بين اليهود و العرب، فضلا عن النظام الكولونيالي الذي شجع الانقسام المؤسسي، قد منع تنامي مجتمع مدني يشتمل على كلا الشعبين في كافة أنحاء البلد. وحتى في داخل الحدود الاجتماعية لكل مجموعة من مجموعات المجتمع، فان ضرورات الصراع، والحاجة إلى حشد وتعبئة الناس والموارد بأوسع قدر ممكن، ومجابهة تحدي عملية التنظيم في إطار ظروف الكولونيالية، قد ركزت الاهتمام حول المنظمات السياسية المركزية لكل جانب. كانت تلك الفترة حاسمة لكل من الجانبين في مجال تطور العلاقات بين السياسة والمجتمع. وبالنسبة لليهود والعرب على السواء، فقد تدافعت المجموعات الأساسية من أجل بناء منظمات سياسية مركزية لمواجهة البريطانيين وبعضهما البعض، حتى قبل ذوبان المجتمعات نفسها في إطار الحدود الجديدة التي فرضها البريطانيون. لم يكن هناك مجال كبير لنشأة المنظمات المدنية ذاتية الاستقلال في كلا المجتمعين اليهودي و العربي، إذ أن المنظمات السياسية تطلبت السيطرة الكاملة على تنظيم الحياة الاجتماعية. "(4).

لقد صنعت النكبة أساطيرها و أيديولوجيتها المتمركزة حول العودة، الثأر والنصر. فقد ألغت قرارات الأمم المتحدة مفهوم الشرعية الدولية في أذهان الناس وضرب قرار التقسيم البعد التاريخي لصدور إعلان عالمي لحقوق الإنسان، ووضعت الشرعية الركيكة لأبناء الليبرالية الكولونيالية على كف عفريت. وتعبر سرعة وتيرة الانقلابات العسكرية في سورية عن مدى هشاشة كل مرجع محلي للشرعية بعد حرب 1948 ( 3 انقلابات في عام 1949 ؟) ولقد بدأت تنشأ شرعية "ثورية" بدون ثورات، شرعية تربط المصير بالمخلص -بالمفرد - حزبا أو فردا أو جيشا. " لم يكن الطلب على الديمقراطية من قبل المحكومين في عقدي الخمسينات والستينات واهنا فقط بل وملتبسا على الأرجح. فلئن انخرط المحكومون في العقيدة التي يروج لها الزعيم الملهم بخصوص مساوئ الحزبية و التعددية وفضائل تغيب الرأي المختلف وسيطرة الحزب الواحد الذي يقوده الزعيم نفسه، فان هذا الأخير زرق خطاب التحرر السياسي بجرعة قوية من الأساطير التي تخلط بين الخصوصية والاستبداد والعدل والعسف" (5)

لم يكن التسلط خيارا وحيدا لدول التماس العربية و الدول الأخرى بل لعله وبكل المعاني قد شكل الخيار الأسوأ ، فلا وطن و خطاب وطني في غياب أسس المواطنة، لقد حقق المماليك انتصارات عسكرية هامة تبعتها عقود انحطاط ولم تكن انتصارات الجيش الانكشاري العثماني أقل عارا. أما بالنسبة لدولة إسرائيل وحملة إيديولوجية الدولة اليهودية فقد كانت خياراتهما محدودة إلى حد كبير، ولا نستغرب شبه الإجماع على شكل طائفي للنظام السياسي مع هيكل برلماني للقادمين من بلدان ليست ذات خبرة ديمقراطية، ففي الوعي الجماعي والسياسي لحقبة نشأة الدولة، يشكل العمق اليهودي في الغرب المحور المركزي لالتزام دول الغرب بدعم إسرائيل والمنظم الأساسي لقنوات الثروتين الوافدتين  البشرية و المالية. ولا يمكن للإسرائيليين تعبئته أو منحه  السلاح اللازم على المدى الطويل دون انتساب الحد الأدنى في الأنموذج والمصالح مع الدول الغربية. لقد حول الإسرائيليون عدوانيتهم باتجاه الشعب الفلسطيني والعرب للتمكن من بناء شبه انسجام داخلي أساسه النحن والآخر، وشكلت فكرة القبيلة المحاطة والمحاصرة  التي تخوض معركة وجود أو لا وجود  أساس الضرورة الحيوية لمفهوم المشاركة في السلطة وتداولها. إلا أن البعد الطائفي للدولة لم يتوقف عند غير اليهود،  فقد دخل في شرايين التركيب الاجتماعي اليهودي نفسه خالقا هوة كبيرة بين اليهود الشرقيين واليهود الغربيين من جهة  وتحت انتماءات وفق بلدان المنشأ من جهة ثانية. على صعيد الانسجام الأيديولوجي ستبقى الصهيونية لسان حال الأغلبية الساحقة رغم قراءاتها السياسية المختلفة. أما العسكرة البنيوية للمجتمع والدولة فقد أظهرت منذ وقت مبكر أن الجيش وسيلة ارتقاء سياسية اكثر هيبة من الحزب والجامعة، وفي اجتماع هذا الثلاثي تكتمل الصورة.

بنت الإيديولوجيات القومية العربية خطابها المهدوي على حتمية واقتراب الانتصار الذي يزيل العار عن الأمة المغتصبة، وقد منحتها التجربة الناصرية الصاعدة زخما نفسيا هائلا  فعبد الناصر أمم القناة وحقق الاستقلال وأول وحدة عربية معاصرة بالإمكان الذهاب معه إلى آخر الشوط لتحقيق الرسالة الخالدة المنشودة. لذا ورغم الإنتاج السياسي الخصب لتجربة 1954-1958 لم تناقش بجدية من أي طرف جماهيري قضية الحفاظ على التعددية الحزبية والاستقلالية النقابية والأهلية. وعلى العكس فقد استخدمها خالد بكداش الأمين العام للحزب الشيوعي السوري كذريعة لرفضه للوحدة ورفض فكرة حل حزبه. أما بالنسبة لعبد الناصر فلم يكن هناك أية أوهام حول ضرورة العودة إلى ما اعتبره جيله النظام الملكي القديم:  في مقابلة للرئيس جمال عبد الناصر مع رئيس تحرير جريدة هندية في مارس 1957 قال الصحفي: هل يمكنني أن أوجه إليك السؤال التالي : ماهي الديمقراطية ؟ و يجيب ناصر : كان يفترض وجود نظام ديمقراطي في مصر في الفترة الواقعة بين عامي 1923 و 1953 . و لكن ما الذي قدمته هذه الديمقراطية لشعبنا ؟ أقول لك : في تلك الفترة كان ملاك الأرض والباشوات يحكمون شعبنا . لقد استخدموا هذا النمط الديمقراطي :أداة سهلة لتحقيق مصالح النظام الإقطاعي. لقد رأيتم الإقطاعيين يجمعون الفلاحين و يسوقونهم إلى غرف الاقتراع، حيث كان الفلاحون يدلون بأصواتهم طبقا لتعليمات سادتهم .. إنني ابغي تحرير الفلاحين و العمال سواء من الناحية الاجتماعية أو من الناحية الاقتصادية ، بحيث يمتلكون القدرة على قول "نعم" . إنني أود أن يصبح بمقدور الفلاحين والعمال أن يقولوا "نعم" و "لا" دون أن يؤثر ذلك على سبل رزقهم و قوتهم اليومي. وهذا من وجهة نظري هو أساس الحرية والديمقراطية"(6).

لم تكن قناعة الضباط البعثيين السوريين تختلف قيد أنملة عن هذه الاطروحات، و قد كان في جمجمة معظم أعضاء اللجنة العسكرية التي تشكلت سرا في مصر هذه الشعبية الأسطورية للزعيم التي يمكن أن يعاد إنتاجها، عبر شخصه،  في ماركة بعثية مسجلة.

لم تشكل حرب حزيران 1967 بهذا المعنى المنعطف الذي أعاد للديمقراطية الاعتبار بعد هزيمة النظامين الناصري والبعثي في الحرب، فالأقلام الجديدة تتحدث عن حرب التحرير الشعبية و نجاح ستالين في عملية تصنيع الاقتصاد السوفييتي كما يؤكد صادق جلال العظم، وتجمع الستالينيات "الجديدة"  على أن الثورات الناجحة هي تلك وحسب التي قادها حزب شيوعي ثوري، وان من الترف إضاعة الوقت مع القوى الانتهازية على يمينه والطفولية على يساره. إلا أن كره الستالينية نفسه وسيف القمع، أكثر منه وعي ضرورة تاريخية، سيجعل للمدافعين عن الحريات الأساسية وحقوق الإنسان أنصارا في صفوف اليسار في مصر و سورية و لبنان.

لقد كنا جميعا نعيش تحت طائلة هزائم الجيل الذي سبقنا وهاجس هزيمة محتملة الأمر الذي عزز مواقع أصحاب المواقف الصارمة و اظهر الاتجاه الأكثر ديمقراطية كتعبير للميوعة و الهلامية وضياع الرؤية الواضحة. و للأسف فان أول حملة الكتابات الديمقراطية كشعار مركزي كانوا في الممارسة يغطون تجاوزات الأصوليين ويتسترون على الطبيعة التعسفية لمصادر لقمة خبزهم الفلسطينية أو الليبية أو العراقية أو السورية  وبشكل أقل من اليوم،  دول الخليج. أما الجمهور الأوسع فلم يعد يثق بعالم الإنسان فصعد إلى السماء بحثا عن نجدة الله لإنقاذه من ظلم حكامه والصهيونية والإمبريالية الذين اتفقوا على كون الديمقراطية علاج غير ناجع له. إن إسرائيل ، كما يقول عزمي بشارة، " تميل إلى الاعتقاد بأن الديمقراطية في أي بلد عربي تعتبر مجازفة كبيرة، بمعنى أن إسرائيل لم تتغلب - و لا اعتقد أنها في المدى القريب سوف تتغلب - على شعورها بالغربة في المنطقة، وعلى شعورها بأن التقدم و التكنولوجيا و الديمقراطية العربية هم تهديد لها." (7).

ولا شك بأن مفهوم السيادة بمختلف تعريفا ته السياسية والاقتصادية ذو صلة مباشرة وبآن معا بالديمقراطية في العالم العربي وبالصراع العربي-الإسرائيلي في ذاته وفي مجمل صلاته بالحقبة الكولونيالية الجديدة.(8) ومهما جعلت العولمة من هن السيادة قضية نسبية، فقد قامت بذلك في إطار الهوة اللا متكافئة بين نسبية عالمثالثية ومبالغة في سيادة الأقوى وتنصبه فوق القانون والجغرافيا وإمكانية محاسبته أو تقييم أفعاله. بالانطلاق من هذه الواقعة يصعب تصور سيناريوهات أمريكية تصب في صالح تشكل دولة-أمة ذات طابع ديمقراطي و تنموي في الأرض العربية. و بهذا المعنى التقت المصالح الأمريكية والإسرائيلية مع الكيانات التسلطية على أكثر من جبهة ومن أكثر من منظار.

فلقد فرّغت هذه الدول مفهوم السيادة من محتواه بتغييبها للمواطنة باسم الوطن وخلطها بين أمنها كسلطات وسيادة الأمة، فالحكومات المتتابعة للفريق حافظ الأسد، القائد العام للقوات المسلحة في دولة تماس لأطول فترة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي تعتبر هذا الأمن عينه سببا لغيابٍ مشروعٍ وإرادي لديمقراطية ليست مناسبة لهذه الدولة  التي " لا تشكل نسخة مطابقة لأي دولة في العالم" ،   ناهيكم عن حرفها شعبنا الصامد عن متطلبات الصراع مع العدو :

في ردها على حملتنا للإفراج عن ناشطي حقوق الإنسان في سورية أجابت الحكومة السورية عبر بعثتها في جنيف السكرتير العام المساعد لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة في مراسلة سرية:

" إن نظام حالة الطوارئ في أي بلد من بلدان العالم نظام استثنائي لا يخرج عن روح الدستور ونصه. وهو نظام شائع في كثير من دول العالم التي لها ظروفها الاستثنائية، ونظام حالة الطوارئ في الجمهورية العربية السورية قائم على الخطر المحيط بالوطن في ظروف طارئة تسوغ للسلطة المدنية إصدار تشريعات استثنائية مستنبطة من روح القانون لحماية أراضي الدولة ومياهها وأجوائها ضد الأخطار المحدقة بها. وقد أنشأت حالة الطوارئ في وطننا في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها وطننا نظرا لحالة الحرب القائمة مع إسرائيل واحتلالها لجزء من أراضينا حتى الآن، إضافة لتهديداتها المستمرة لأمن وسلامة وطننا، وهذه الحالة الاستثنائية تفرض إيجاد صيغة تشريعية استثنائية لاستيعابها والتي قد تكون متشددة بسبب حالة التهديد المستمرة الناجمة عن ظروف الحرب مع العدو الإسرائيلي."(9).

 لقد أوجد تحطيم التعبيرات السياسية والاجتماعية والثقافية في المجتمع السوري فراغا هائلا يتجاوز بكثير أبعاد الصراع العربي الإسرائيلي الأمر الذي يجبر السلطة على التذرع بهذا العامل في الحرب والسلم كلاهما. ولا أوهام البتة حول ضغوط غربية لدمقرطة البلاد فأقصى ما تطالب به الحكومات الغربية هو  تخفيف حجم المؤسسة العسكرية ووقف الهجرة البشرية إليها وضمان سلامة من تبعده عن أراضيها و إسداء النصح غير المباشر لعقلنة أفضل للقمع. ويمتلك الأردن اليوم هامشا كبيرا لاستعادة الصرامة الضرورية لضرب "أعداء السلام"، فليس ثمة من يتحمل فتح جبهة أردنية بعد ما آلت إليه الأمور بفضل اليمين المتطرف الإسرائيلي.

أما على الجبهة الإسرائيلية وحيث هاجس الاستفادة القصوى من حقبة الهيمنة الأمريكية قد رافق مخاوف صعود الحمى الإسلامية فقد تغيرت نسب مكونات المجتمع الإسرائيلي من جديد بوصول موجات كبيرة من اليهود الروس الملوثين بالتعصب وآفات المافيا الروسية وأكثر اليهود تطرفا في أنحاء العالم في السنين العشر الأخيرة. ومن الصعب الحديث عن اندماج مدني بقدر ما يمكن الحديث عن تماسك عصبوي بالمعنى الخلدوني. تتحول التجربة البرلمانية بشكل اكثر وضوحا إلى تحالفات ما تحت دينية يشكل الدين بالنسبة لها الغطاء الشرعي الأقوى، ويعيش هذا المجتمع ثنائية الخوف من كلا استمرار الحرب و ضرورة استمرارها باعتبار هذا الفوبيا المزدوجة الإنتاج الأكثر تماسكا وقوة منذ بدء الصراع، لقد كشف اغتيال اسحق رابين ومن بعده انتخاب اليمين المتطرف عن البعبع المختبئ وراء التعبئة الحاقدة والعنصرية تجاه غير اليهود والتي لم يعد بالإمكان إيقافها دون زعزعة جملة الأسس الإيديولوجية التي تربت عليها الشبيبة الإسرائيلية. هذه الأسس  أضحت تهدد المنظمات غير الحكومية نفسها بل والهامش البرلماني الإسرائيلي. ويمكن القول أن فئة الخارجين عن القانون الدولي بالمساعدات الدولية من المستوطنين قد أصبحوا قوة انتخابية في بلد مازال بإمكان التشكيلات الصغيرة أن تعطي أغلبية برلمانية. لا يهم إذا كان الاستيطان وفق المحكمة الجنائية الدولية جريمة ضد الإنسانية فأن الدولة العبرية لن تصدق عليها ولن تحترم ما صدقت عليه؟

 تفتت موضوعة الصراع المركزي و آثارها على العملية الديمقراطية

 ليس بالإمكان حصر مفهوم النكبة وآثار النكبة السياسية والبشرية بشعب فلسطين، وإن كان من المبالغ فيه مقارنة من خسر كل شئ مع من تباكى تضامنا مع الشعب الشقيق الخاسر. إلا أن هذه النكبة قد أدخلت القضية الفلسطينية  في سلم أولويات الوعي العربي الناشئ. وفي معركة السويس كما في جبال الأوراس، لم يكن الجرح الفلسطيني غائبا، و بهذا المعنى لم تكن الحدود لتؤثر على مشاعر الجمهور. وقد شاركت الأنظمة العربية مجتمعة، بنسبة أو بأخرى في ضرب موضوعة الصراع المركزي ليس عبر التوجه نحو البناء الداخلي والاهتمام بالشعب و إنما عبر تحالفات وصراعات حددتها مسبقا تحول دون السماح من الاستفادة من الجانب التعبوي للقضية الفلسطينية. ولعل أكبر عملية ناجحة في زعزعة مركز الصدارة للصراع العربي الإسرائيلي كانت في التعبئة الخارقة للمعتاد من اجل تحرير أفغانستان من العدو الملحد الشيوعي. فقد جمعت أفغانستان الصورة المثالية للجهاد السلفي: دولة مسلمة محتلة من جيش احمر شيوعي والمجاهدين فيها يتعاونون مع الولايات المتحدة الصديقة.

لقد خففت حملات التضامن الهستيرية مع أفغانستان في المملكة العربية السعودية ودول الخليج من بريق المقاومة الفلسطينية التي تتحدث عن دولة علمانية ديمقراطية ويعادي أكثر من فصيل فيها  الولايات المتحدة، الحليف الرئيسي في المنطقة. إلا أن هذه الحملة لم تكن بقوة الحرب العراقية الإيرانية التي خرجت من حدود السعودية و العراق لتصبح موضوع نقاش الفضاءات السياسية في البلدان الإسلامية كافة. ولعل هذه الحرب التي كلفت اكثر من مليون و نصف مليون قتيل في ثماني سنوات كانت وراء نقل الصراع العربي الإسرائيلي إلى الدرجة الثانية أما احتلال الكويت فقد اصل تهميش أهمية هذا الصراع في البلدان الخليجية والبلدان البعيدة كتونس والمغرب وأظهر بنفس الوقت أولا هشاشة الاطروحات الديمقراطية العربية حيث اكتشفنا هاجس البحث عن الفحولة المنتصرة عند عدد كبير يتغلب على طبيعة النظام العراقي وثانيا مهزلة ما سمي بالنظام الدولي الجديد الذي استنفر العالم ضمن الاستراتيجية الأمريكية للسيطرة على مصادر الطاقة النفطية. وبرأينا، لم يكن هاجس الديمقراطية يدغدغ مشاعر أحد، وحتى حق الحياة، أول حقوق الإنسان إقرارا في تاريخ البشرية، اصبح محتقرا إلى درجة الاشمئزاز مما آل إليه الوضع البشري. وعلى مشارف مدريد  احتلت الهموم الداخلية في الجزائر والعراق وليبيا واليمن  الصدارة في التسعينات، واتبعت الأطراف  المفاوضة سياسة "كل من يده له" باستعارة تعبير الكوميدي السوري دريد لحام. أي أن فترة سقوط جدار برلين وإعدام شاوشسكو وما تبعها  توافقت مع أهمية اعتبارية اقل  للصراع العربي الإسرائيلي، ومن الصعب برأينا  الحديث عنه كعامل في الدمقرطة على الشاطئ العربي. وكما تغيب بصمات القضية الفلسطينية عن انقلابي 1989 في السودان و 1992 في الجزائر والحرب الأهلية في اليمن، يصعب إبصار الانفراجات المحدودة كنتائج مباشرة أو غير مباشرة لبداية عملية مدريد. لقد حاولت السلطات العربية في العقدين الاخيرين من صراع مستمر منذ نصف قرن  إقناع الناس بأن تحرير القدس يمر عبر كابول و الأهواز و الكويت و تشاد، وأوجدت حالة قرف من الاستعمال الكلامي البضاعي والتجاري لكلمة فلسطين، فيما همش في الواقع كلمتي الصراع العربي الإسرائيلي ومبدأ التعامل مع الناس كمواطنين بالغين عقلاء. 

لقد بدا هذا الدور الهامشي للصراع أيضا في نهاية حقبة الفريق الأسد والتي يصعب المراهنة على الصراع العربي الإسرائيلي كطرف موجه لخيارات البلد السياسية الداخلية. كذلك الأمر في حيثيات السعي العربي الرسمي لتسوية الحد الأدنى وهشاشة السماح الديمقراطي في الأردن وأولوية الأمن الإسرائيلي والاستقرار الإقليمي في التصور الغربي لمستقبل المنطقة. إلا أن الطريق المسدود لاتفاقيات أوسلو وخنق ما تبقى منها من قبل اليمين المتطرف الإسرائيلي، ثم التوافق بين أحداث الحادي عشر من سبتمبر وانتفاضة الأقصى قد أعادت المسألة الفلسطينية للذهن الحي باعتبارها من جديد المرجعية الأولى لتحديد موقف من الهيمنة الأمريكية على العالم والتحالف الإسرائيلي الأمريكي العضوي. وجاء احتلال العراق ليكسر كل المفاهيم بما في ذلك الشرعية الدولية والشرعة العالمية لحقوق الإنسان والقانون الدولي والسيادة والحرية كشرط أساسي للأمن. وبذلك عدنا القهقرى، من شوارع نيويورك إلى شوارع القاهرة، في وضعنا البشري كأفراد وجماعات وعادت العلاقة مع حقوق الإنسان والحريات الأساسية علاقة ضرورية ولكن غير نافعة في زمن الاحتلال والإذلال. حق المقاومة أخذ حيز السبق مع السياسة الأمريكية الطامحة لبناء إمبراطورية عبر إعادة بناء البطن الرخو في القرن الواحد والعشرين: العالم العربي. الديمقراطية البوشية مشبوهة كسياسته الخرقاء وحقوق الإنسان تتلقى خنجرا جديدا في الظهر باسم هذه الحقوق في قراءتها الأمريكية.

من كفر قاسم إلى قانا ، قامت إسرائيل بفعل ما يجب لإذكاء شحنات حقد هامة في الوعي الجماعي العربي رجحت الهم الوطني على الهم الإنساني و الديمقراطي. إلا أن التوظيف السياسي المبتذل للأحاسيس الشعبية قد ارتد عليها سلبا فيما زعزع الثقة بالسياسة بالمعنى الواسع للكلمة أي بثقة الأفراد في فكرة المشاركة العامة في قضايا وهموم الأشخاص والجماعة. وبعد أن عززت الإيديولوجية الصهيونية الإيديولوجيات القومية العربية بشكل رد فعلي، لم يلبث النموذج الإسرائيلي أن أصبح مثلا يضربه الإسلاميون لنجاح دولة اعتمدت الدين أساسا لمفهوم الشعب والأمة. ليس بالإمكان اعتبار ولع المغلوب بتقليد الغالب وفق ابن خلدون تفسيرا كافيا لهذه الظاهرة، فالتمييز الطائفي بين   اليهودي و"الغوي"(غير اليهودي) يجعل من عاديات الأمور إقامة تمايز بين المسلم وغير المسلم.

ها نحن في حقبة تتميز بجسامة الضغوط لتهميش  مزدوج للصراع العربي الإسرائيلي وللديمقراطية معا، الأمر الذي يعقد إشكالية العلاقة بينهما أكثر فأكثر. فقد أوصلتنا التشكيلات التسلطية إلى ما يعبر عنه محمد السيد سعيد بالقول  " التشكيلة السياسية السائدة لا تسمح بتولد الديمقراطية إلا بقدر يسير. إذ أن الاستقطاب شبه الثنائي بين الدولة شبه الليبرالية والقوى شبه الشمولية لا يستدعي كثيرا من الآمال الديمقراطية. فالدولة ذاتها لا تصور نفسها باهتمام كبطل للديمقراطية والقوى الإسلامية المنافسة لا تدين الدولة  لأنها ديمقراطية أو حتى لأنها غير ديمقراطية. فالصراع لا يدور أصلا حول الديمقراطية إلا كنتاج ثانوي" (10).

إن تتبع مسألة الصراع العربي الإسرائيلي وتطور الديمقراطية يوجه أنظار الباحث إلى عاملين أساسيين في الصراعات البشرية هما الذاكرة الجماعية لشعب وتأثير التصرفات العدوانية ذات الطابع التفوقي، أي القائمة على إذلال الآخر، على أواليات تشكل الوعي في المجتمع. فمهما كانت أهمية العوامل الجيو استراتيجية والطبقية والاستراتيجيات الإقليمية و العالمية، فإن نفسية الأفراد والجماعات ترتكز أيضا على شحنات انفعالية وعاطفية هامة تجعل الحديث عن تهميش موضوعي للصراع العربي الإسرائيلي  مسألة جد نسبية ومتعددة الاتجاهات. إن نظريتي الأمن الأحادي الجانب والحفاظ على التفوق العسكري اللتان يجمع عليهما اليسار واليمين في إسرائيل منذ أكثر من خمسين عاما تشكلان المصنع الأكبر لإنتاج الحقد والعنف في المنطقة على ضفتي الصراع. إن أكثر الأحاسيس إيلاما الشعور بالظلم ولم يشكل اغتصاب كرامة الآخر في يوم من الأيام عامل أمان واستقرار نفسي للغاصب. من هنا الإحساس العفوي الرد فعلي والغالب إلى أن استعادة الحق مسألة تسبق الحق في الحريات. هذا الحس التلقائي الخديج (غير المكتمل)لم يبلغ بعد حالة عقلنة الضروريات في حاجات شعب، أي إدراك دور الديمقراطية في القضاء على العدوان، كونه في غيابها،  بوعي أو بدون وعي، تنفذ الضحية برنامج الجلاد.

بالنسبة  لنعوم تشومسكي" ليست النظريات الاستراتيجية والعلوم السياسية إلا أدوات طيعة ومرنة مما يجعلها مستعدة باستمرار لتقديم الحجج والتحليلات اللازمة لتدعيم الاستنتاجات التي تم التوصل إليها في لحظة معينة" (11)، بالنسبة لنا، ثمة راهنية لوقف  استعمال قميص عثمان كذريعة أو كمبرر، في الحرب والسلم واللا حرب واللا سلم، كأداة  لا غنى عنها لحاجة السلطات التسلطية والمشاريع التسلطية إلى أمنها الخاص المبطن بخطاب تعبوي عند الضرورة وشحنة ضرورية من اللاعقلانية. فمن الواضح أن  المنظم الأساسي للعلاقة بين الديمقراطية والصراع العربي الإسرائيلي  يكمن أولا في العقد المجتمعي والسياسي  بين الحاكم والمحكوم.

--------------------------------------------------------

ملاحظات :

1 ) لم يجد نعيم شهرباني  ما يجعله يصنف كلمة ديمقراطية في كتابه " النزاع العربي -الاسرائيلي : ببلوغرافيا مشروحة لكتب و نشرات عربية "، الجامعة العبرية في القدس ، 1988.  ولا يتجاوز ما قرأناه مقالات صحفية  سطحية التناول غالبا.

2 ) نعوم تشومسكي ’ ردع الديمقراطية  1992، مؤسسة عيبال ، نيقوسيا ، ص 46 . Noam Chomsky   DETERRING DEMOCRACY

3 ) من نقاش مع الكاتب الفلسطيني حول موضوع هذه الدراسة.

4 ) عن كتاب : الديمقراطية في الشرق الاوسط، الطبعة العربية. محرر الطبعة العربية : أحمد عبد الله.جامعة واشنطن، مركز الجيل: جول ميجدال : المجتمع المدني في إسرائيل، ص 275

5 ) محمد حافظ يعقوب ، العطب و الدلالة في الثقافة و الانسداد الديمقراطي، مواطن ، المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية، 1997 ، ص 110-111.

6 ) مقطع مترجم في كتاب  الديمقراطية في الشرق الأوسط نفسه عن :

British Broadcasting Corporation Summary of World Broadcasts (reading) 12 march 1957  194

7 ) التسوية السياسية ، الديمقراطية وحقوق الانسان، نصوص جماعية قدم لها  عبد المنعم سعيد وحررها جمال عبد الجواد. كراسات ابن رشد، مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان 1997 ص 4. يشاطر الصديق محمد السيد سعيد عزمي بشارة هذا الرأي ذاهبا إلى القول "ليس ثمة أدنى مصلحة لإسرائيل في تحول النظم السياسية العربية إلى تبني قيم الديمقراطية والحداثة  والتسيير العقلاني للمجتمع. بل  العكس هو الصحيح. أي أن من مصلحة إسرائيل إن تستمر لدى العالم وكأنها واحة الديمقراطية في محيط لا عقلاني ومتخلف. بل ينبغي أن نخطو مسافة أوسع للتأكيد على أن سياسات إسرائيل هي ذاتها أحد أهم أسباب تأخر التحول الديمقراطي في المجتمعات العربية، و إنها تكرس واقع الاستبداد والتعسف والعنف في السياسات العربية" ( محمد السيد سعيد، إنه الاحتلال وليس الأمن أو فقدان الجاذبية، الحياة، 3 سبتمبر(أيلول) 1997.

8) لا نشارك عزمي بشارة في نفس المصدر أعلاه قوله " لا يمكن الحديث عن ديمقراطية بدون مفهوم الأمة، سواء كانت الأمة متجانسة أم غير متجانسة ثقافيا" (ص 44). من هنا محاولتنا إعادة الصياغة الحذرة للعلاقة بين السيادة و الديمقراطية والصراع .

9 ) رسالة البعثة السورية في جنيف إلى السكرتير العام المساعد للأمم المتحدة، تاريخ 14/7/1992، مسجلة في 4 سبتمبر 1992.

10 ) محمد السيد سعيد، إشكاليات تعثر الديمقراطية في العالم العربي، ورقة مقدمة إلى مؤتمر بهذا العنوان، القاهرة ، 29 فبراير-3 مارس 1996.نظمه مركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان ومؤسسة مواطن ومجلة  السياسة الدولية.

11) تشومسكي ، نفس المصدر ، ص 8            

(كتبت هذه المحاضرة في  16/9/1997 وقد تم إضافة ما يؤكد توجهها من أحداث تبعت ذلك)

من إصدارات اللجنة العربية لحقوق الإنسان

 فيوليت داغر وجيمس بول: من أجل نهاية الحصار على شعب العراق: نصّان حول العقوبات، 1998

اللجنة العربية لحقوق الإنسان: الحماية لنشطاء حقوق الإنسان في تونس، 1998

اللجنة العربية لحقوق الإنسان: الجزائر: قضية سركاجي من المجزرة إلى المهزلة، 1998

فيوليت داغر: الزواج المدني في لبنان، حق وضرورة، 1998

جمال الهيثم النعال، الحريات الديمقراطية، حقوق الإنسان وأزمة القضاء في الدستور السوري، 1998

عمر المستيري: قراءة في الاتفاقية العربية لمناهضة الإرهاب، 1998

محمد حافظ يعقوب: المحكمة الجنائية الدولية، 1998

أول دراسة صدرت بالعربية عن هذه المحكمة

اللجنة العربية لحقوق الإنسان والمنظمة البحرينية لحقوق الإنسان: مصادرة جمعية المحامين في البحرين، 1998

منصف المرزوقي، فيوليت داغر، عصام يونس، هيثم مناع: سلامة النفس والجسد، التعذيب في العالم العربي، 1998

صدر طبعتان من هذا الكتاب بالفرنسية ونفذت طبعته العربية. أول دراسة متعددة الميادين تجمع بين التحليل النفسي والقراءة الفلسفية التاريخية والشهادات الحية، متوفر على الانترنيت.

فيوليت داغر: العقوبات الاقتصادية على العراق (بعد بعثة تحقيق قام بها عصام الدين حسن مع فيوليت داغر)، 1999

اللجنة العربية لحقوق الإنسان: من أجل الديمقراطية والحقوق الإنسانية في تونس، 1999

هيثم مناع: مراقبة قضائية في محكمة راضية النصراوي والمتهمين بالانتماء لحزب العمال الشيوعي التونسي، 1999

هيثم مناع: مراقبة قضائية في محاكمة جلال بن بريك الزغلامي، 1999   

ناتالي بوجراده: مراقبة قضائية في محاكمة منصف المرزوقي ونجيب حسني، 2000

هيثم مناع: مراقبة قضائية في محاكمة مناضلي الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، 2000

محمود خليلي وأمينة القاضي، الاختفاء القسري والتعذيب في الجزائر، 2000

محصلة سنوات من العمل والنضال من أجل المفقودين وضد التعذيب في الجزائر.

فيوليت داغر: تقرير أولي عن الأوضاع الصحية في ظل الانتفاضة،2000

إثر بعثة تحقيق قام بها ليون شفارتزنبرغ وفيوليت داغر وجان فرانسوا بوارييه لفلسطين في ظل الانتفاضة.

توفيق بن بريك، الآن أصغ إلي، دار الصبار واللجنة العربية لحقوق الإنسان والبرنامج العربي لنشطاء حقوق الإنسان، 2000

محمد حافظ يعقوب، فيوليت داغر، محمد أبو حارثية: اللاجئون الفلسطينيون في لبنان، 2000

هيثم مناع، الحرية في الإبداع المهجري، سلسلة براعم، بالاشتراك مع الأهالي، 2001

منصف المرزوقي، هل نحن أهل للديمقراطية؟  سلسلة براعم، بالاشتراك مع الأهالي، 2001

هيثم مناع : ماذا عن المستقبل: ملاحظات على تقرير الحكومة السورية المقدم إلى لجنة حقوق الإنسان في نيويورك، 2001 دراسة مكثفة عن انتهاكات حقوق الإنسان قبل وبعد وفاة حافظ الأسد

عمل جماعي: تونس الغد. شارك فيه: أحمد المناعي، توفيق بن بريك، راشد الغنوشي، مصطفى بن جعفر، منصف المرزوقي، نور الدين ختروشي، سلسلة الإصلاح السياسي وحقوق الإنسان، 2001

مؤسسة الحق، استعمال القوة من قوى الأمن الإسرائيلية، ترجمته للفرنسية نزهة راكيم ساطور، 2001

فيوليت داغر وعشرين باحث سوري، الديمقراطية وحقوق الإنسان في سورية (نوفمبر2001)، بحث جماعي من 520 صفحة عن الحقوق الاجتماعية والثقافية والسياسية والمدنية والاقتصادية والبيئية في سورية في مقاربة متعددة الميادين. صدر بالإنجليزية والفرنسية والعربية.

حبيب عيسى، النداء الأخير للحرية، باريس، 2002. بيروت 2003

هيثم مناع (إشراف) و38 باحثة وباحث، موسوعة الإمعان في حقوق الإنسان، دار الأهالي، دار بيسان، منشورات أوراب واللجنة العربية لحقوق الإنسان، 2000-2002 .

ريتشارد موران، روجر نورمان، جيمس بول، جون رامبل وكريستوف ويلك، العقوبات على العراق، المترتبات الإنسانية وخيارات المستقبل، بالاشتراك مع منتدى السياسات الشاملة(نيويورك) وحماية الطفل (لندن) وعشرة منظمات غير حكومية. 2002 .

مها يوسف، عماد مبارك، مصطفى الحسن طه، القوانين الاستثنائية وحق التنظيم في مصر، 2002.

تقارير مشتركة مع منظمات فلسطينية لحقوق الإنسان عن الأطفال المعتقلين ومحاكمات مروان البرغوثي ومجزرة الدرج-غزة  وبعثات تحقيق حول أوضاع الفلسطينيين في الرويشد والعراق

هيثم مناع، الولايات المتحدة وحقوق الإنسان، باريس، دمشق، جدة، 2003

فيوليت داغر، في جريمة العدوان، باريس، دمشق، 2003.

محمد بن طارية، عباس عروة، يوسف بجاوي، تاريخ التعذيب وأصول تحريمه في الإسلام، جده ، بيروت،  مركز الراية التنمية الفكرية 2003

اللجنة العربية لحقوق الإنسان، نجدة المستضعف، أعمال مؤتمر باريس للجمعيات الإنسانية والحقوقية، باريس، دمشق، الأهالي والمؤسسة العربية الأوربية للنشر 2003

اللجنة العربية لحقوق الإنسان، الكلمة الحرة والإرهاب، قضية تيسير علوني، 2003

اليوم العالمي للتضامن مع المعتقلين السياسيين في تونس، 2004 باريس. إصدار مشترك مع 25 منظمة غير حكومية.

الاعتقال التعسفي في العالم العربي، بالاشتراك مع جمعية الكرامة للدفاع عن حقوق الإنسان، حالة قطر والسعودية وسورية وتونس، 2004، بالفرنسية والعربية.

فيوليت داغر، حق الصحة، سلسلة براعم، 2004

هيثم المالح، حقوق المستضعفين، سلسلة براعم، 2004

عبد المجيد منجونة، هيثم المالح، هيثم مناع، حالة الطوارئ ودولة القانون في سورية، طبعتان    2003 و 2004.

من أجل مجتمع مدني في سورية، حوارات "منتدى الحوار الوطني". اللجنة العربية لحقوق الإنسان والمؤسسة العربية الأوربية للنشر، 2004

إشراف حسين العودات، حرية الإعلام في العالم العربي والغرب، 2004، سلسلة براعم،

هيثم مناع، صرخة قبل الاغتيال، مستقبل المنظمات الخيرية والإنسانية في المملكة العربية السعودية، مع المكتب الدولي للجمعيات الإنسانية والخيرية، 2004 ، بأكثر من لغة.

المحامي رشيد مصلي، ظاهرة الاختفاء القسري في الجزائر، بالفرنسية، 2004

هيثم مناع، ومضات في ثقافة حقوق الإنسان

  الدكتور هيثم مناع

من مواليد جنوب سورية ، درس الطب العام في جامعة دمشق (1976) وجامعة ماري وبيير كوري في فرنسا. حاز على دبلوم المعالجة النفسية الجسدية من جامعة باريس 13 ودبلوم اضطرابات النوم واليقظة من جامعة مونبلييه (1989) وقام بتدريس مادة النوم بعدها بعام في جامعة باريس الشمالية. درس العلوم الاجتماعية وحاز على الدكتوراه في الانثروبولوجيا من المعهد العالي للعلوم الاجتماعية في باريس (1983). أحد مؤسسي مجلة "سؤال" الفكرية بالفرنسية في 1980 ، رئيس تحرير مجلة "مقاربات" ومحرر الموسوعة العالمية المختصرة: الإمعان في حقوق الإنسان (الجزء الأول:الأهالي- 2000 والجزء الثاني عن الأهالي وأوراب 2002) شغل عدة مواقع نضالية عربية وعالمية وهو المتحدث باسم اللجنة العربية لحقوق الإنسان.

مؤلفاته العربية:

انتفاضة العامية الفلاحية، دمشق 1975    -  المرأة في الإسلام، بيروت 1980.

 المجتمع العربي الإسلامي من محمد إلى علي، باريس 1986.

 إنتاج الإنسان شرقي المتوسط العصبة ، القبيلة ، الدولة ، بيروت 1986

 المرأة !! كولن 1988                 - عالم النوم ، اللاذقية 1990.

 الحجاب كولن 1990. (بالعربية والإيطالية)              - جدل التنوير ، بيروت 1990

 تحديات التنوير كولن 1991            -الضحية والجلاد  القاهرة 1995.

 حقوق الإنسان في الثقافة العربية الإسلامية ، القاهرة 1996. (بالعربية والانجليزية)

 المواطنة في التاريخ العربي الإسلامي، القاهرة 1998 (بالعربية والانجليزية)

 سلامة النفس والجسد، التعذيب في العالم العربي ، باريس والقاهرة 1998،(بالعربية والفرنسية)

 طفولة الشيء، المخاضات الأولى لحقوق الإنسان في العالم العربي، كولن 1999

 الأصوليات الإسلامية وحقوق الإنسان ، القاهرة 1999، أربيل، بيروت، 2000.

  دولة القانون في تونس! ، القاهرة 1999.

 الإمعان في حقوق الإنسان ، بيروت ودمشق 2000 . الجزء الثاني، بيروت ودمشق وباريس،  2002

الإسلام وحقوق المرأة، القاهرة، 2001.

 الحرية في الإبداع المهجري، باريس-دمشق، 2001

الإسلام والقانون الإنساني الدولي، بيروت وعمان، 2002

الولايات المتحدة وحقوق الإنسان، 2003

صرخة قبل الاغتيال، دمشق وبيروت، 2004

ومضات في ثقافة حقوق الإنسان

القانون الدولي وغياب المحاسبة

شارك في عدة مؤلفات جماعية عن المرأة في العالم العربي وحقوق الإنسان وله مؤلفين باللغة الفرنسية وأكثر من 250 مقال ومحاضرة بالعربية والفرنسية والإنجليزية.

  4/3/2006

عودة

 

مراسلة الدكتور هيثم مناع

all rights reserved to Dr. Haytham Manna ®12/10/2006

مراسلة إدارة الموقع