European Page

مكتبة فنية

كتب

مقابلات

مقالات

خواطر حقوقية

محاضرات/مداخلات

أبحاث حقوقية

سيرة ذاتية

الصفحة الرئيسية

:::::::: الدكتور هيثم مناع يفتح ملف "العدالة الدولية من نورنبرغ إلى غزة" في كتابه الجديد! :::::::

 

 

 في أقل من عشر سنوات، دخلت كلمة المحاكم الدولية الثقافة الشعبية العربية محملة بكل وسائل التشويش والتضارب والغموض والمخاوف. فقد ولدت المحكمة الجنائية الدولية في حالة خوف رسمية نجم عنها عكوف معظم الدول العربية عن التصديق على ميثاقها، وولدت المحكمة الدولية المختلطة لمحاكمة المسئولين عن اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري بقرار فرنسي أمريكي يفقأ الأعين، وفرضت الولايات المتحدة على مجلس الأمن ملاحقة الجناة في مأساة دارفور في وقت مازالت تحارب فيه المحكمة الجنائية الدولية، وشكلت قوات الاحتلال الأمريكي البريطاني في العراق محكمة عراقية خاصة حكمت بالإعدام على الرئيس العراقي صدام حسين ومقربيه ولم يتحرك المدعي العام أوكامبو حتى اللحظة في أي قضية غير عربية غير إفريقية رغم وقوع جرائم حرب موثقة في العراق وفلسطين وجنوب لبنان باعتبار المتهم فيها ليس الأضعف في السلم والحرب..

رغم كل هذا يوجد مجموعة صلبة من المناضلين من أجل العدالة الدولية يرفضون لغة سيطرة القوة على العدالة وحماية المعتدي القوي وانسحاق الضحية لمجرد أنها ليست قوة حسابية يعتد بها في موازين القوى العالمية.. هؤلاء كانوا وراء أول انتقادات وجهت لمحكمة نورنبرغ، التي كانت كنظيرتها في طوكيو محكمة عسكرية استثنائية قضاتها من الدول المنتصرة. ولكنها بوعي أو بدون وعي، أرخت لانتقال مفهوم الاختصاص القضائي فوق الوطني أو العالمي من أدبيات القانون وكتب الفلسفة إلى التطبيق. وأدخلت في الوعي الجماعي ثلاثة مبادئ أساسية:


* المسؤولية الجنائية الفردية أمام القانون الدولي، مهما كانت المعطيات القانونية المخالفة لذلك في القانون الوطني.

* الاستفادة من الحصانة لرئيس دولة أو وزير تفقد معناها في الجرائم المسماة دولية من اللحظة التي يكون الحكم فيها على هذه الجرائم باسم المجتمع الدولي.


* لم يعد واجب طاعة المراتبية الأعلى في الدولة عذرا لمن يرتكب جرائم ضد السلام وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب.

لقد انتقلت النقاشات القانونية حول محاكمتي نورنبرغ وطوكيو إلى الجامعات والندوات ورست إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة في 1947 حين تم تحرير قانون للجرائم ضد السلام وضد أمن الإنسانية. بعدها بعام، وجهت الجمعية العامة الدعوة للجنة القانون الدولي CDI للتباحث في ضرورة وجدوى تشكيل جسم قضائي جنائي وطرحت آنذاك فكرة غرفة جنائية تابعة لمحكمة العدل الدولية. ومن الملاحظ أن الذين حرروا اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها في 1948 وضعوا بعين الاعتبار قيام محكمة دولية في المادة السادسة من الاتفاقية. الأمر الذي سيفتح الباب له بعد عام في العاشر من آب/أغسطس تاريخ التوقيع على اتفاقيات جنيف الأربع.

في 1951، شكلت الجمعية العامة للأمم المتحدة لجنة مكلفة بدراسة موضوع إنشاء محكمة جنائية دولية، وفي 1954 قررت الجمعية العامة تأجيل هذا الموضوع. ويمكن تأييد الرأي الذي يحمّل الحرب الباردة مسؤولية هذا التأجيل فالدول الكبرى لم تعط يوما المثل الأحسن للدفاع عن عدالة دولية مستقلة وحديثة. فقبل احتلال القوات الأمريكية للعراق بعامين يلاحظ محمود شريف بسيوني أن الولايات المتحدة ما فتئت تغّير من موقفها تجاه جريمة بدء العدوان وذلك من ما قبل الحرب العالمية الأولى لاعتبارات سياسية. ولا شك بأن الإصرار على محكمة عسكرية للغالبين في طوكيو ونورنبرغ كان الوسيلة المضمونة والأكيدة لإغلاق العين عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتكبتها قوات الحلفاء. وهل يمكن تفسير قرار تأجيل موضوع المحكمة الجنائية الدولية عام 1954 خارج منطق الصراع بين العملاقين الذي رضخ لاستراتيجيات مناطق الهيمنة والنزاع التي تخل بالضرورة في منطق العدوان وجرائم الحرب والجرائم ضد السلام. إن تعزز دور المجتمع المدني العالمي؛ المحامي الطبيعي للضحايا والمدافع الأساسي عن قيم السلام؛ هو الذي سيعيد لفكرة المحاسبة في الجرائم الجسيمة الدولية حق التواجد في الثمانينيات. وقد لعبت ثورة الصوت والصورة دورا هاما في عولمة الوعي الجماعي لفظائع الحروب ومعنى الانتهاكات الجسيمة. ولعل من أهم قرارات المنظمات غير الحكومية في مؤتمر فيينا في 1993 المطالبة بتشكيل محكمة جنائية دولية وتطبيع القوانين الوطنية مع فكرة الاختصاص الجنائي العالمي. بعد عامين ستلحق الجمعية العامة بتوصيات فيينا في خضم ولادة محكمتي يوغسلافيا ورواندا، وبعد ذلك بعام (1996) أقرت الجمعية العامة عقد مؤتمر عالمي في 1998 لتأسيس محكمة جنائية دولية دائمة.

لقد عرفت العدالة الجنائية الدولية تقدما كبيرا مع اتفاقية روما الموقعة في 17 يوليو/ تموز 1998 والتي دخلت حيز التنفيذ في بداية يوليو/تموز 2002. محكمة مؤلفة من 18 قاضي ومقرها في لاهاي، وهي مؤهلة بموجب البند الخامس لنظامها للنظر "في الجرائم الأكثر شناعة والتي تمس المجموعة الدولية بكاملها"(جرائم الإبادة الجماعية، الجرائم ضد الإنسانية، جرائم الحرب وجريمة العدوان)
يخول النظام الأساسي للمحكمة الطعن بأية حصانة شخصية أو وظيفية لأي متهم بارتكاب جرائم جسيمة.

تشكيل المحكمة الجنائية الدولية لا يضع حدا بالمقابل لكل عوامل غياب المحاسبة. فبشكل عام، نظام المحكمة هذه هو ثمرة تسوية بين المتمسكين بالسيادة الوطنية وأنصار الحق في التدخل والتي سمحت "بإدخال عدة إجراءات تحمي سيادة الدولة".

ففي المقام الأول، أهلية المحكمة ليست إلا مسألة "فرعية". حسب البند 17 من نظامها، لا تمنح المحكمة الأهلية في التدخل عندما تكون القضية موضوع ملاحقات من قبل دولة ما "إلا بحال عدم امتلاك الدولة الرغبة أو القدرة على تقصي الحقائق كما يفترض أو القيام بالملاحقات". كذلك بحال أن هذه الدولة قد أجرت التحريات بالقضية لكنها ترفض القيام بالملاحقات المطلوبة "إلا إذا كان القرار هذا غير نابع عن عدم رغبة أو نتيجة عجز الدولة عن القيام فعليا بالملاحقات". مبدأ التكامليّة complementarity)) هذا مازال يكتنفه الغموض خاصة في حالة طلب مجلس الأمن للمحكمة التدخل.

ثانيا، المحكمة لا تملك أهلية للبت بالقضايا التي سبقت وضعها موضع التنفيذ، أي بداية يوليو/تموز 2002.

ثالثا، صلاحياتها لا تشمل إلا الجرائم التي ارتكبت على أرض دولة عضو أو أن يكون المتهم مواطنا لبلد عضو(إلا إذا تم تكليف مجلس الأمن للمدعي العام النظر في الجرم أو بادر المدعي العام فتح تحقيق في جرائم الاختصاص من تلقاء نفسه). وهذه نتيجة لا مفر منها للطابع التوافقي للمحكمة والذي يشير في الوقت عينه إلى أن العدالة الدولية لها حدودها.

في وضعه الحالي، يترك القانون الدولي في كل الأحوال مساحات خاضعة لمشيئة علاقات القوة. مما يجعلنا نخلص للقول أنه وإن كان هناك من تقدم قد أحرز في ميدان مكافحة غياب المحاسبة، فالنجاح الدائم يمر عبر تمتين القانون سواء على الصعيد الداخلي أو الدولي.

"لا يمكن لناشط مدني ومدافع عن استقلال العدالة أن يناضل من أجل استقلال القضاء على الصعيد الوطني والإقليمي ولا يخوض هذه المعركة على الصعيد الدولي. ولعل من بؤس طالع البشرية أن القوة الصاعدة منذ مطلع القرن العشرين (الولايات المتحدة الأمريكية) تعاملت باستمرار بمنظار الريبة والشك والرفض لفكرة مؤسسة للعدالة الدولية. ففي عام 1921 تشكلت المحكمة الدائمة للعدالة الدولية كجهاز دولي مستقل بعلاقة مع عصبة الأمم وقد عاشت هذه المحكمة 18 عاما ورغم ذلك لم تنتسب الولايات المتحدة لها. وقد اضطرت الولايات المتحدة للمشاركة في محكمة العدل الدولية لأن نظامها الأساسي اعتبر جزءا لا يتجزأ من ميثاق الأمم المتحدة. ولم يكن بالإمكان التواجد في قمة الأمم المتحدة ورفض الانتساب لأداتها القضائية. وفي المباحثات الأولية لولادة المحكمة الجنائية الدولية أصرت الوفود الأمريكية على أن تكون المحكمة هيئة معاهدة لا أن تكون مؤسسة تابعة للأمم المتحدة، الأمر الذي لا يلزمها بأي تصديق أو اعتراف بالسلطة القضائية الدولية الجديدة. ولكنها بنفس الوقت، كانت حريصة على محاربة فكرة استقلال القضاء الدولي. فأي استقلال لسلطة قضائية عالمية يعني نوعا من المساواة الإسمية بين الدول الضعيفة والدول القوية، الأمر الذي رفضته الإدارات الأمريكية المتعاقبة".

يتحدث الكاتب بصراحة عن صعوبات النضال لمحاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين والأمريكيين ويصل للقول: "لقد شهدنا نقاط ضعف المحكمة الجنائية الدولية هذه في متابعتنا لملف العدوان على غزة. الأمر الذي جعلنا نغير استراتيجية العمل لتكون الدول طرفا بشكل أو بآخر في فتح الملف. وتكون المنظمات والنقابات والأطراف غير الحكومية جماعة الضغط التي تضغط من أجل مواجهة الضغوط اليومية لدول مهمتها، صدقت أم لم تصدق على إعلان روما، الضغط بالإتجاه المعاكس لحصر وجود المحكمة الجنائية الدولية بمجلس الأمن. ويمكن القول دون مواربة وبصراحة أن كل خبراء القانون الدولي المقربين من اللوبي الموالي للدولة العبرية يحرصون على دور حاسم لمجلس الأمن لقناعتهم بأن الولايات المتحدة ستستعمل حق النقض (الفيتو) لمواجهة أي قرار بإحالة مسؤول إسرائيلي إلى المحكمة الجنائية الدولية".
ويعود أكثر من مرة لطرح السؤال: "لماذا نتمسك بمبدأ العدالة الدولية رغم كل نقاط ضعفه اليوم؟" ويجيب بنفسه على السؤال بالقول: "لأن هذه العدالة ليست هيكلا جامدا وميثاقا مقدسا، هي ابنة اليوم والحقبة وموازين القوى والصراعات والتوازنات وقوة المجتمعات المدنية في مواجهة عنجهية القوة، كذلك قدرة البشرية على بناء منظومة متوازنة في السياسة الدولية تحول دون هيمنة طرف على السلطة التنفيذية الدولية (مجلس الأمن) مع انعكاس ذلك على العدالة الدولية بشكل مباشر أو غير مباشر. من هنا إصرارنا على أن استقلالية المحاكم الدولية ليست ابنة نص
texte بل نتاج وضع contexte، وستبقى أسيرة مجموعة عوامل أعقد وأكثر تشابكا من استقلالية العدالة الوطنية، ولكنها خطوة تاريخية انتقالية ضرورية لن تأخذ معانيها التاريخية إلا بدخول مفهوم الاستقلال العدالة الجنائية الدولية، أي مقارعة قوة العدالة لتعليمات القوة". 
ولا يخفي الكاتب طموح التحالف الدولي عندما يقول: "غزة لم تعد غزة فقط، يمكن القول أنها الصاعق من أجل إعادة النظر في أسلوب ونمط تعامل منظمات حقوق الإنسان مع الحقوق الفلسطينية أولا، وإمكانية أن يكون رفع صوت العدالة في فلسطين الوسيلة الأقوى لفتح كل ملفات المظلومين في العالم. من هنا كانت ضرورة استثمار الاستقطاب المدني العالمي الكبير من أجل غزة لمأسسة تحالف دولي كبير لملاحقة مجرمي الحرب، تحالف لا تحتمله حكومة ولا يحتمل حكومة. أي الانتقال في خضم معركة محاسبة مجرمي الحرب الإسرائيليين إلى بناء منظمة عالمية جديدة تغطي الفراغ المخجل في قضايا الجرائم الجسيمة". 
يقع الكتاب في 160 صفحة من الحجم المتوسط

صادر عن المؤسسة العربية الأوربية للنشر، دار الأهالي للنشر والتوزيع، اللجنة العربية لحقوق الإنسان، المكتب الدولي للجمعيات الإنسانية والخيرية، التحالف الدولي لملاحقة مجرمي الحرب.
2009 دمشق، باريس، أوسلو، جنيف

الجزائر تايمز - خاص

 12-09-2009

http://www.algeriatimes.net/images/blank.gifhttp://www.algeriatimes.net/news/algernews.cfm?ID=1941  

عودة

 

مراسلة الدكتور هيثم مناع

all rights reserved to Dr. Haytham Manna ®12/10/2006

مراسلة إدارة الموقع